الرئيسية > العوائق > 5- سهام الشيطان

5- سهام الشيطان

سلاسل العيوب التي تحدثنا عنها في الفصل السابق، هي سلاسل مُقيدة مُوثقة، تشُل صاحبها عن أعمال الخير، وتشده إلى أرض الجمود. كما تُزين لصاحبها الخطأ، فينسى طريق التوبة.

.

لا قليل من الإثم

تحرير الداعية من أسر العيوب الخُلقية، يمثل المرحلة الأولى في الصياغة التربوية للداعية المسلم. فلا نهتم قبل تكسير حديد سلاسل العيوب بشيئ. وقِدم الانتساب للدعوة لا يبرر وجود تلك السلاسل، فكأنما الداعية مُراوح في مكانه، ولم يبرح موضعه.

ولن يحصل مقصود الدعوة في الداعية حتى يفارق نفسه الأمارة بالسوء، ذات العيوب، فتكون تلك المفارقة دليلاً على أنه قد كسر سلاسل العيوب وفارقها.

وقد كان عمر بن عبد العزيز يلح على الواحد من ولاته أن: “لا يكونن شيئ أهم إليك من نفسك، فإنه لا قليل من الإثم”. أي أن الإثم كله قيد مهما كان قليلاً.

خل الذنوب صغيـــرها            وكبيرها فهو التقــي

واصنع كماش فـــوق              أرض الشوك يحذر ما يري

لا تحقــرن صغيـــرة           إن الجبال من الحصـى

.

نحو براءة عمرية

لما مات الفاروق عمر، رثته ابنة أبي حثمة، فصاحت: “واعمراه…أمات الفتن، وأحيا السنن، خرج نقي الثوب، بريئاً من العيب”.

فانتبهت هذه المرأة إلى سر براءة الداعية، أنه يعمل لدعوة الإسلام. أما أحدنا اليوم تخالط قلبه أدران الغرور، ويوهمه خيره القليل، فيغتر إدلالاً، وبتوقف عن الاستزادة امتناناً، آمناً غير وجل، وقانعاً غير طامع.

ولو أنا ذكرنا ما كان عليه أمر السلف، ثم أجرينا المقارنة والمقايسة، لتجدد لنا الخوف، وانبعثت الرغبة، وحصل الحث، وعرفنا قدر نفوسنا. ولكن خلف نخشى الفضيحة.

قالها صادقة صريحة الرجل الزاهد عبد العزيز بن أبي رواد رحمه الله في القرن الثالث الهجري، واعترف بأننا: “إذا ذكرت أحوال السلف بيننا: افتضحنا كلنا”. فأي فضيحة لمن في القرن الخامس عشر؟.

.

لا ترفع سعرك

يفضحنا العجب بالنفس. والمُعجب مفضوح ولا شك بفضيحتين: بفضيحة الزلل والسقوط أرضاً، إذ ما زال القدماء يقولون عن فلان: “إن العجب أخذ برجله فزل”، كمن يهمل النظر في السوق إلى موضع قدمه، فيزلق بقشر أو يعثر بحجر، فمن راث لحاله وشامت، ويقوم متهماً، تأتيه النصائح من كل جانب، وما هو بحاجة إليها بعد ارتجاج عظامه.

وفضيحة المغالاة في سعر النفس، أي يعطي نفسه حجماً أكبر من حجمها الحقيقي. فهذا يفضحه الشافعي فيقول: “من سامي بنفسه فوق ما يساوي، رده الله تعالى إلى قيمته”.

وسبب العجب أن المعتقد له يستصغر ما علم من ذنوبه، وينسى كثيرًا منها.

فبشر بن الحارث الحافي يعرّف العجب بأنه: “أن تستكثر عملك، وتستقل عمل غيرك”.

وهذا الجانب من الاعتداء والازدراء هو الجانب الأظهر في العجب حين فحصه سفيان الثوري، حتى كأنه قصر تعريف العجب فيه، فحذرك: “إعجابك بنفسك حتى يخيل إليك أنك أفضل من أخ لك، وعسى أن لا تصيب من العمل مثل الذي يصيب، ولعله أن يكون هو أورع منك عما حرم الله، وأزكي منك عملاً”.

وقال الفضيل بن عياض: “إذا ظفر إبليس من بن آدم بإحدى خصال قال: لا أطلب غيرها: إعجابه بنفسه، واستكثاره عمله، ونسيانه ذنوبه”.

أي أن العجب أصل كل بلاء وفتنة عنده. يجدد بذلك ما نقل له عن عيسى عليه السلام لما قال: “كم من سراج قد اطفأته الريح، وكم من عبادة قد أفسدها العجب”. فالعمل الصالح ضياء ونور، يتحول إلى ظلام إذا هبت ريح العجب عليه، هكذا بهبة واحدة.

.

صرعى المدائح الخمس

السهم الأول من سهام الشيطان هو العُجب. أما ثاني هذه السهام هو حب مَحمدة الناس، أي أن يعمل الإنسان العمل، ويحب أن يكرمه الناس بعمله، أو ينزلونه مكانة عالية. فيمدحه المادحون لأغراض في نفوسهم، مع أن هذا الإنسان الممدوح هو أدرى بنفسه لو ادكر، لكنه ينسى فيغتر.

وقد وضع الفضيل بن عياض ميزاناً لنشخص به هذا النوع من الناس، فقال: “إن من علامة المنافق أن يحب المدح بما ليس فيه، ويكره الذم بما فيه، ويبغض من يبصره بعيوبه”.

فتراه لو مدحه أحد ينتفخ صدره في الحال، ويطرب، وتسبح الخيالات في بحار من اللذة الغامرة، فإذا جاء آخر ناصحا له، أنقلب بسرعة إلى حالة غريبة، يضيق فيها صدره، وتتسارع أنفاسه، وينفلت لسانه بكل لفظ خشن.

وثالث هذه السهام، مبادرة الناقص لمدح نفسه بلسانه، وقد ذكره الله تعالى فقال: “فلا تزكوا أنفسكم”. كما أن مدح النفس مفسدة للعمل.

أما السهم الرابع من تلك السهام، هو لجوء من يتمكن منهم العُجب إلى ذم أنفسهم أمام الغير، ظناً منهم أن الذم سيؤدي إلى اعتقاد الآخرين ببعدهم عن العجب. وقد كشف الحسن البصري أمر هؤلاء، وأكد لنا أن: “من ذم نفسه في الملأ فقد مدحها، وذلك من علامات الرياء”.

وأخيراً خامس هذه السهام وأكثرها غرابة فهو لجوء عاشق المدح، والمُعجب بنفسه إلى ذكر عيوب أقرانه الآخرين، يرمي زيداً بالسذاجة، وعمراً بالدنيوية والكسل، فتهدأ النفس الثائرة، وتطرب من جديد، ونرى فيها صورة واقعية تصدق الفضيل حين يقول: “إن من علامة المنافق أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه”.

.

كفى بالله مُزكيا

لكن الكيس من دان نفسه دائمًا، واتهمها بالتقصير، ورأى أن ما يعمله مهما كثر قليل بجانب حقيقة شكر الله. وأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل تصدق بيمينه صدقة لا تعلمها شماله. ومثله الذي يفتح الله على يديه بالأعمال الصالحة لا يعلمها إلا قليل، ويراها المسلمون فلا يعرفون صاحبها.

يقول مدرك بن عوف الأحمسي: “بينا أنا عند عمر رضي الله تعالى عنه إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن، فجعل عمر يسأله عن الناس، فجعل الرجل يذكر من أصيب الناس بنهاوند، فيقول: فلان بن فلان، وفلان بن فلان، ثم قال الرسول: وآخرون لا نعرفهم.

فقال عمر رضي الله عنه: “ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم”.

وإنما يسد باب الفتن في الدعوة بمثل هؤلاء الجنود الذين يجردون عملهم لله،  ولا يحفلون بمعرفة غيرهم أو جهلهم لما يعملون، وإلا فإنها سام الشيطان قاتلة.

About these ads
  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

%d مدونون معجبون بهذه: