الرئيسية > كتاب المنطلق > 2- كسوف لا غروب

2- كسوف لا غروب

يرفض الداعية أن ينصاع لمخططات الكيد اليهودي والصليبي، فيقف يؤذن في الناس، ولكن أكثر الناس نيام. ويرى جلد أصحاب الباطل وتفانيهم لإمرار مخططاتهم، وفي المقابل يرى الداعية السلم غافلاً إلا الذين رحمهم ربهم، وقليل ما هم.

ورغم الفساد فإن الداعية المسلم لن يتخلى عن محاولة انتشال العباد، كما أن كل وساوس اليأس من الإصلاح لن تلبث إلا أن تتبدد، فهو في مكانة متوسطة لموكب الإيمان السائر، ولابد أن يسوق له قدر الله خلفاً يستلم الأمانة. وإنه لموكب لن ينقطع أبداَ كما وعد المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” صحيح مسلم.

فوجود العصبة المسلمة في الأرض، ووجود دعوة الحق، من سنن الكون التي يتحتم وجودها. تماماً كالشمس والقمر والماء والهواء. لكنها سنة لن يراها إلا صاحب قلب سليم. وهذا الذي يدفع المسلم للمضي في الطريق، يتعرض لقدر الخير من أقدار الله فيكون من الفائزين، وأما من أعرض فإن سنة الله ماضية لن تقف لإعراضه. ويهدي الله لتجلية قدره وسنته أقواماً آخرين.

وقد أجمل الأستاذ المرشد حسن الهضيبي رحمه الله هذا المعنى فقال: “إن أحداث الزمان يجب أن تخضع لكتاب الله وسنة رسوله، مهما تراءى للناس أن الدنيا لا تحتمل هذا الإخضاع، فالدين هو السنة التي وضعها الله للناس كما وضع السنن الكونية الأخرى للشمس والقمر والحيوان والنبات، وكل ما في السماء وما في الأرض وما عليها”

وأدرك عبدالوهاب عزام رحمه الله هذه السنة الكونية فقال: “إن إسلامنا نبأ عظيم، وهو من مكملات الناموس الكوني الذي يختل بدونه، فلا بد إذن أن يوجد في الواقع، وتمحى الجاهلية ليتم الناموس من غير اضطراب”

قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (ص:67-68)…..

وقد حول هذا النبأ العظيم خط سير البشرية إلى طريقٍ خطته يد القدر، سواء من آمن به ومن صد عنه، في جيله وفي الأجيال التي تلته. ولم يمر بالبشرية في تاريخها حادث ترك فيها من الآثار ما تركه هذا النبأ العظيم. فأرسى من القواعد والقيم والتصورات ما لم يتصوره العرب ولو في الخيال. وما كانوا يدركون في ذلك الزمان أن هذا النبأ إنما جاء ليغير وجه الأرض، ويحقق قدر الله في مصير هذه الحياة.

ولكن المسلمين يقفون من هذا النبأ موقف العرب منه في أول الأمر، فلا يتدبرون الحق الكامن فيه، ولا يستعرضون آثاره في تاريخ البشرية وفي خط سيرها الطويل، بل يعتمدون على نظرة مستمدة من أعداء هذا النبأ الذين دأبوا على أن يصغروا من شأنه في تكييف حياة البشر وفي تحديد خط التاريخ.

وكذلك الفقه والوعي حين يكون….

ووجود المسلم حتمية من حتميات التاريخ الماضي والحاضر، وإنها لحتمية ماضية إلى يوم القيامة. وما إقصاء الإسلام عن الحياة إلا كما تكسف الشمس. وما الاضطراب الحاصل والظلم والفساد إلا نتاج لهذا الإقصاء. وفي هذا لدليل لأُولي الأبصار أن الإسلام جزئية لا غنى عنها في نظام الكون البديع، يختل الكون بدونه.

لقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها، ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيراً في كل ما ألم بها من نكبات. لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدت الأرض، وأسَنَت الحياة، وتعفنت القيادات، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة، و“ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ”.

تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن، وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور، فكان ذلك مولدًا جديدًا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته، لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورًا جديدًا عن الوجود والقيم والنظم، كما حقق لها واقعًا اجتماعيًا فريدًا، كان يعز على البشرية تصوره مجرد تصور، قبل أن ينشئه لها القرآن.

نعم! لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال، والعظمة والارتفاع، والبساطة واليسر، والواقعية الإيجابية، والتوازن والتناسق، بحيث لا يخطر للبشرية على بال، لولا أن الله أراده لها، وحققه في حياتها، في ظلال القرآن، ومنهج القرآن وشريعة القرآن.

ثم وقعت تلك النكبة القاصمة، ونحي الإسلام عن القيادة، نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى، في صورة من صورها الكثيرة، صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان.

لكنها تنحية لن يسكت عنها دعاة الإسلام، لأن الإسلام هو منهج الحياة الوحيد، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر، فإذا أحنوا رؤوسهم فإنما يحنونها لله وحده، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده، وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده، ومن ثم يتحررون حقا من عبودية العبيد للعبيد، حين يصبحون كلهم عبيدًا لله بلا شريك.

سجدة الحرية…

إنها سجدة المسلم، عنوان العلو، وشارة الحرية، والبراءة من كل طاغوت. بها يتحرر المسلم من قيد الهوى، فيصبح حراً طليقاً، لقى التصورات والنظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين من الله وحده. ولن تتخلص البشرية من قلقها ما دامت لا تعتنق عقيدة الإسلام، وما استمرار عذابها النفسي وظلمها مع تقدمها المدني، إلا دلالة على أن العقل لا يصلح وحده أن يكون ضابطاً لشئون الحياة ما لم ينضبط هو على ميزان العقيدة الصحيحة.

ولا سعادة لإنسان، ولا نجاة له من الانجراف في الانهيار السريع الذي تورطت فيه الجاهلية من حوله إلا بأن يلجأ إلى هذه العقيدة يستهديها الطريق، فتجيبه الجواب الصحيح على الأسئلة التليدة لكل إنسان، ليكشف أن أدعياء الفكر هم الذين أقاموا الحجاب بينه وبين فطرته، ويومها فقط سيذوق معنى السعادة….

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: