الرئيسية > كتاب المنطلق > 3- الأبرار الهالكون

3- الأبرار الهالكون

يتأثر تحليل الأحداث وتفسير التاريخ، بالعقيدة أو المرجعية التي يحملها الشخص المحلل أو المفسر. ومن هنا اختلفت التحليلات والتفاسير  اختلافاً واضحاً. وصار المؤمن يرى علاقات بين بعض النتائج والأحداث والأحوال، بينما لا يراها الكافر أو الجاهلي أو الفاسق الذي طبعت على قلبه الشهوات.

ومن أهم الظواهر التي يُختلف في تفسيرها وتحليلها، ظاهرة الاضطراب الاجتماعي المواكب للتقدم العلمي والعمراني والفني، فالكفار والفساق يدورون في حلقة مفرغة من التعليلات. بينما المسلم فله تفسير واحد لهذه الظاهرة مستمد من القرآن والسنة، وأوجزه الفاروق عمر رضي الله عنه بجملة واحدة جامعة حين سئل: “أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها على أبرارها”.

يعلو الفاجر، فيولي أمثاله الأمور. ولا ينفك كل فاجر أن يكون أسير شهواته، فيطبع قلبه، ويعيش في غفلة عن ارتياد ما فيه منافع قومه، ثم يكون أسير مصالحه، فيظلم ويشتط ويتعسف، فتهدر بالتالي طاقات كثيرة وتتوارى الكفايات، تطلب لنفسها الستر، ستر عرضها من الاعتداء، وبدنها من العذاب، ويعود لا يتصدى لأمور الأمة إلا كل جاهل أناني، فيعم الاضطراب الاجتماعي، ثم من بعده الخراب الاقتصادي والمدني العلمي.

حتى إذا تمادى الفاجر في فجوره، وحتى إذا تمادى الأبرار في خوفهم وجبنهم وسكوتهم وقعودهم عن النهي عن المنكر: اشتد غضب الله، فإذا غضب: عم وشمل غضبه الفجار بما فجروا وظلموا، والأبرار بما سكنوا وتقاعسوا ورضوا الذلة.

وقد عقب بن تيمية على قوله تعالى: “وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً” (الأنفال:25)، فقال رحمه الله: الذي يتعدى حدود الله هو الظالم، وتارك الإنكار عليه قد يُجعل غير ظالم لكونه لم يشاركه، وقد يُجعل ظالمًا باعتبار ما ترك من الإنكار الواجب، وعلى هذا قوله: “فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ” (الأعراف:165)، فأنجى الله الناهين. وأما أولئك الكارهون للذنب، الذين قالوا: “لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا” (الأعراف:164)، فالأكثرون على أنهم نجوا لأنهم كانوا كارهين، فانكروا بحسب قدرتهم.

وأما من ترك الإنكار مطلقا فإنه ظالم يعذب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه”.

ووعي حقيقة عقاب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يلزم الداعية المسلم بالأخذ بطوق النجاة من هذا العقاب، وهذا الطوق هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنازعة أهل المنكر، وسلوك سبيل الدعوة، والإهابة بالأمة أن تسارع إلى الصلاة وتحكيم شرع الله، من قبل أن يجرفهم “قانون التماثل”، الذي هو من سنة الله العامة في الكون فيهلكوا، ويصيبهم العذاب، من بعد أن ارتكبوا مثل العصيان الذي أهلك الله بسببه الغابرين، وهذا القانون يسري حكمه على الأفراد والأمم على حد سواء، وفي أحوال الدنيا والآخرة. وعلى هذا دل القرآن الكريم، فمن ذلك:

أ- قوله تعالى مبينا ما جرى لليهود من بني النضير من نكال في الدنيا بسبب كفرهم ونقضهم العهد وكيدهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: “هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ” (الحشر:2). فقوله تعالى: “فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ” معناها: تأملوا يا أصحاب العقول السليمة بما وقع لهم، واحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم إذا فعلتم مثل فعلهم، فإن سنة الله واحدة تجري على الجميع.

ب- قال تعالى: “وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ” (يونس:13). فقول الله تعالى: “كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ” دليل على أن ما جرى للمجرمين السالفين يجري على المجرمين اللاحقين، فالنظير يأخذ حكم نظيره، وأن سنة الله واحدة تجري على جميع المجرمين، والله المستعان.

ج- قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا” (محمد:10)، دليل واضح أن الدمار الذي حل بالكافرين السابقين سيحل بالكافرين اللاحقين، لأنهم متساوون في وصف الكفر والعناد والتكذيب فيتساويان في العاقبة.

د- قال تعالى: “لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ” (النساء:123)، فالجزاء يلحق فاعل السوء أيًا كان، دون محايدة ولا تمييز ولا تخلف.

فالقرآن شاهد على صحة قانون التماثل بشقيه، أي التساوي في الحكم والعاقبة بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين.

فإذا فهم المسلمون مدلول هذه الآيات القرآنية والتي فيها ذم للأقوام السابقة، كاليهود وغيرهم لتلبسهم بالأفعال القبيحة والأوصاف الذميمة: عرفوا أن الذم كان لهذه المعاني وأن الذم يلحقهم لا محالة إذا فعلوا فعلهم، وأن العاقبة السيئة تصيبهم كما أصابتهم فلا يغرهم مجرد انتسابهم  للإسلام من دون عمل وانصباغ بمقتضاه.

وقد جعل محمد إقبال رحمه الله هذا القانون من قواعد الهدى الإسلامي، وبين في المحاضرة الخامسة من المحاضرات التي ألقاها بمدينة مدارس الهندية: “إن الأمم والجماعات مأخوذة بأعمالها في هذه الحياة، ولهذا يكثر القرآن من قصص الماضين ويأمر بالنظر في تجاريب الأمم، غابرها وحاضرها”.

إن هذه القوانين الرهيبة المفزعة لا يفهمها أكثر الناس، وليس لهم استعداد للتصديق بها، إنما يفهمها الدعاة إلى الله فحسب، ولابد لهم من مسارعة إلى القيام بواجب النهي عن المنكر، ليأمنوا من فزع يومئذ.

أيها الأبرار الصالحون…أيها الزهاد العابدون…أمامكم خطر القانون الرباني الرهيب إن تخارستم. لا يغرنكم زهدكم ولا صلاتكم. انطقوا بالحق، وانهوا عن المنكر، وإلا… فهو الهلاك.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: