الرئيسية > كتاب المنطلق > 5- العابدون اللاعبون

5- العابدون اللاعبون

ومع كثرة صيحات الدعاة في هذه السنين وإهابتهم بالناس، وبالمصلين خصوصًا، أن يعملوا، ويعاونوا الدعاة الآمرين النهاة، فإن الأكثرين لا زال الحزن على واقع المسلمين يستهلكهم يومًا بعد يوم، ولم يعرفوا طريق العمل، أو عرفوه ومنعهم الخوف من تحمل التضحيات عن العمل، أو منعهم الحرص على المال والمصالح الدنيوية، فانعزلوا في مساجدهم وبيوتهم، يبكون الإسلام، ويتركون الأجيال وجماهير الشباب الساذج لمن يربيها من دعاة الإلحاد والعلمانية والشيوعية والوجودية، ولمن يجرها إلى الفساد والحياة الشهوانية والزنا والخمر والإسراف في اللهو.

إن هؤلاء المصلين، وأهل الغيرة والحزن على مصير المسلمين، يقرأون كتب الفقه التي ننقل عنها، وكتب الزهد والرقائق، ولكن كأن خَور عزائمهم لا يوقع أبصارهم على ما فيها من صيحات المخلصين على مر الأجيال والقرون، من لدن عصر الصحابة إلى العصور المتأخرة، وحثهم على العمل للإسلام، والتبشير به، ودعوة الخلق، وتنبيه الجموع الغافلة، وترك العزلة والتواري، والتصدي للجهاد والبذل. إنه حزن قاتل، وتعبد مرجوح، وعزلة مضيعة، وبدعة هادمة، وأن تجلل كل ذلك بالإخلاص والنية الصالحة.

وقد ظهر أول فوج من تلك الأصناف من في عصر صدر الإسلام، وتصدى لهم الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود. يروي قصتهم لنا التابعي الكوفي الفقيه النبيل عامر الشعبي فيقول: “أن رجالاً خرجوا من الكوفة، ونزلوا قريباً يتعبدون، فبلغ ذلك عبد الله بن مسعود، فأتاهم، ففرحوا بمجيئه إليهم، فقال لهم: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد. فقال عبد الله: لو أن الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان يقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا”.

من يقاتل العدو إذن لو اعتزل العابدون؟ من يرد كيد الصهيونية والماسونية، والدعاية الشيوعية الإلحادية، إذا بقي المصلون في مساجدهم لا يضمون جهودهم إلى جهود دعاة الإسلام؟

ابن المبارك يرث ابن مسعود

فلما مات ابن مسعود وأصحابه، وذهب جيل المجاهدين من التابعين الذين رباهم الصحابة، عاد إلى الخلي عن الجهاد، وإلى العزلة، مرة ثانية في النصف الثاني من القرن الثاني. ولكن الله سبحانه يهدي عبد الله بن المبارك (ت181هـ) ليجدد حيوية الأمة.

كان الفضيل بن عياض ثقة، وحديثه في الصحيحين يدل على ذلك، وهو من أشهر العباد الزهاد في تاريخ الإسلام، وأجودهم كلاماً، لكن ابن المبارك لا يري كل ذلك مكافئاً لترك الجهاد وقتال العدو. فيخشن له الكلام، حتى يصفه بأنه عابد لاعب بعبادته، ويبعث له من طرسوس، وبعد معركة من معاركه، قبل أن ينفض غبار المعركة عنه، أبياتاً رائعة جداً تظل حجة لكل داعية من بعده. إنها أبيات أكثر من رائعة، وأكثر من صادقة، وأكثر من بليغة, فافتح قلبك، وفك قيوده وإساره، ليطير ويحلق عاليا مع أبيات ابن المبارك..

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا           لعلمت أنك في العبادة تلعب

من كان يخضب جيده بدموعه            فنحورنا بدمائنا تتخضب

أو كان يتعب خيله في باطل            فخيولنا يوم الكريهة تتعب

ريح العبير لكم، ونحن عبيرنا             رهج السنابك والغبار الأطيب

ولقد أتانا عن مقال نبينا               قول صحيح صادق لا يكذب

لا يستوي غبار خيل الله في           أنف امرئ ودخان نار تلهب

هذا كتاب الله ينطق بيننا               ليس الشهيد بميت لا يكذب

قال ابن المبارك هذا لمن انصرف إلى العبادة والمجاورة في الحرم المكي، فماذا نقول اليوم لمن ينصرف عن الجهاد والدعوة، والأمر والنهي، لا إلى كثرة العبادة بل إلى الراحة والترف وجمع الأموال والحرص على إرضاء زوجته؟

وهل لنا أن نقول لمتزهد اليوم إلا كما قال ابن المبارك: يا عابداً لو أبصرت دعاة الإسلام يصاولون دعاة الكفر والضلال الحزبي لعلمت أنك بالعبادة تلعب؟ ولئن انحنت ظهور بعض المتعبدين اليوم من كثرة الصلاة، وجفت حلوقهم من مواصلة الصوم، فإن دعاة الإسلام قد انحنت ظهورهم بعد الفرائض والسنن من كثرة مجالس التداول في أمور المسلمين ومصالحهم، وجفت حلوقهم من كثرة السعي والحركة، وبذلوا دماءهم، واهتزت حبال المشانق بأجسادهم.

الشيخ الكيلاني على الدرب

وتتلاحق من بعد ابن المبارك أجيال، وإذا بالهمم تضعف مرة أخرى، وإذا بالزهاد والعباد يعتزلون في الرباطات، ويتركون إرشاد الناس، ويعافون الدعوة، فيشيع الاضطراب في المجتمع المسلم مرة أخرى، فإذا بالقرن السادس الهجري يلد لنا وارثا صادقا من وراث تلك الأقباس الأولى لابن مسعود وابن المبارك، ينتفض، ويأبى وعيه الانسياق في تيار بدعة الترهب والاختفاء عن الناس، فيقف ينادي الأمة، ويدلها على الأمراض التي تتهددها. إنه الشيخ القدوة العارف عبد القادر الكيلاني رحمه الله.

تكلم الشيخ عبد القادر كثيرًا، وصاح بأهل العراق صيحات بليغة رفيعة المعني والمبنى. ومن صيحات الحق للشيخ عبدالقادر قوله: “المتزهد المبتدي في زهده يهرب من الخلق، والزاهد الكامل في زهده لا يبالي منهم، ولا يهرب منهم، بل يطلبهم، لأنه يصير عارفاً لله عز وجل، ومن عرف الله لا يهرب من شيء، ولا يخاف من شيء سواه”.

ابن الجوزي يصف حالة الشجعان

وفي ذات الوقت كان داعية آخر في بغداد يحمل مثل هذا القلب الكبير أيضا، ويصيح بأهل بغداد. إنه أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي مؤلف (زاد المسير في علم التفسير) و(تلبيس إبليس) وعشرات الكتب النافعة. أبي إلا الصراحة، فاندفع يفضح ويقول: “الزهاد في مقام الخفافيش، قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير، من جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض”.

إلا أنها حالة الجبناء. فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام. وهكذا استمرت كلمات الواعين في كل جيل، لا يسوغون لأحد أن يعتزل ويقعد عن الدعوة إلى الله ولو أكثر العبادة.

دع بيتك وراء ظهرك

والقعود في البيوت، من بعد الاعتزال في المساجد، أكثر بعداً عن صفة المسلم الكامل، ولذلك كان للصحابة رضي الله إنكار شديد على من يتوارى في بيته، ويأنس بالقرب من زوجة وأولاده، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتخلى عن مكانه الذي يجب أن يحتله في صف المحاربين للطواغيت. وقد حفظ لنا الرواة عن الصحابي الجليل المبشر بالجنة طلحة بن عبيد الله القرشي، رضي الله عنه أنه قال: “إن أقل العيب على المرء أن يجلس في داره”.

وذكر ابن القيم رحمه الله أن: “الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته: وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله، أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع. والعالم الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشر، مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح” .

فلا يحتجن أحد بأحاديث فضل النوافل والتسبيح ليسوغ اعتزاله الناس، ويترك مهمته الإرشادية التي يلزمه إياها عمله الذي تعلمه، فإن مباشرة الدعوة خير من مباشرة النوافل.

الداعية رحالة

على داعية اليوم أن يكون رحالة سائحاً في محلات مدينته، ومدن قطره، يبلغ دعوة الإسلام. فكان رُسل رسول الله صلى الله عليه وسلم تسيح في البوادي تبلغ الأعراب كلمة الإسلام وتبشر به، ولم يكن ثمة انتظار ورودهم إلى المدينة. ألا ترى أن الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أركان الإسلام، فلما أخبره بها وقال: “لا أزيد عليهم ولا أنقص”

الشاهد هنا أن هذا الأعرابي كان قد بدأ سؤاله بأن قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله ارسلك”؟

أتاهم رسوله داعياً، وكذلك الناس تؤتي، ومن انتظر أن يأتيه الناس فليس بداعية. ولو فصلت كلمة هذا الأعرابي لتبين لك كيف فارق هذا الصحابي الداعية المدينة لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم  لقوم هذا، وكيف فارق أهله وبيته وأولاده، وكيف اجتاز المفاوز وصحراء من بعد صحراء، وكيف تعرض للمخاطر والحر أو البرد، ليبلغ دعوة الإسلام.

وهذا شأن الدعوة التي تريد أن تصل إلى أهدافها. لابد من تحرك ومبادأة وغدو ورواح وتكلم وزعم. ليس القعود والتمني من الطرق الموصلة، فافقه سيرة سلفك وقلدهم، تصل، وإلا….. فرواح في مكانك، فإنك لن تبرحه.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: