الرئيسية > كتاب المنطلق > 6- غطة من جهبذ

6- غطة من جهبذ

يتمنى المؤمن أن يغفر الله له ويدخله الجنة، وإنه لفوز عظيم نفوزه بمجرد أن نتجاوز باب الجنة بخطوات، ولكن الطمع بما عند الله طمع حلو لذيذ، وإذا بنا نعيش بين مدة وأخرى لحظات من اللحظات اللذيذة، لا نقنع فيها بأن ندلف من باب الجنة فحسب، ولا أن نبقى في منازلها الواطئة، بل نطمع أن نكون في عليين، وفي الفردوس، من منازلها الرفيعة.

وهنا يكون الكلام المنطقي: إن من يريد المنزلة العليا القصوى من الجنة، فعليه أن يكون في المنزلة القصوى في هذه الحياة الدنيا. واحدة بواحدة. ولكل سلعة ثمن.

وما هذه المنزلة القصوى في الدنيا إلا منزلة الدعوة إلى الله، كما يقول الشيخ عبد البقادر الكيلاني رحمه الله في كتابه الآخر الذي سماه (فتوح الغيب). كان هو داعية مصلحا، ولذلك تجد كل كتبه تركز على معنى الدعوة ووجوبها. إن الفائز عند الكيلاني من اختاره الله. وجعله جهبذا وداعيا للعباد ونذيرا لهم وحجة فيهم، هاديا مهديا. ثم قال: “فهذه هي الغاية القصوى في بني آدم، لا منزلة تفوق منزلته إلا النبوة”.

المؤمن الأخرس متأخر

والمؤمن الذي ستره الله عن عز وجل عن خلقه، وبصره بعيوب نفسه، ونور قلبه. ولكن هذا المؤمن له قلب بلا لسان، فهو في المنزلة دون المؤمن الجهبذ، المؤمنالداعية المصلح. إن بوناً شاسعاً، وطفرة واسعة بين المنزلتين، منزلة الدعوة إلى الله، ومنزلة الإيمان المستور المنعزل، وسبب البون هو اللسان الناطق بالحق لا غير.

وكلهم يدخل إن شاء الله الجنة، ولكن أين من يدخلها في الزمر الأول، ممن يدخلها بعد أعوام من الانتظار في ساحة العرض؟ ولذلك جعل الكيلاني رحمه الله فقه الداعية لواجبه في تغيير الباطل وإظهار الحق منحة ربانية لمن يعلم الله صلاح قلوبهم، وصاغ هذا المعنى بأحرف يسيرة، لكنها ثمينة، فقال:

“إذا صلح قلب العبد للحق عز وجل، وتمكن من قربه، أعطى المملكة والسلطنة في أقطار الأرض، وسلم إليه نشر الدعوة إلى الخلق، والصبر على أذاهم يسلم إليه تغيير الباطل، وإظهار الحق”.

نصل الماضي بالآتي…

الإسلام اليوم أحوج ما يكون إلى جماعة من الدعاة الذين يملكون هذه النظرة التغييرية المفاصِلة، دعاة يدركون جيدًا واجبهم في هداية الناس، ويبصرون موقعهم في موكب الدعوة السائر، وأنهم حلقة تصل الماضي بالآتي. فالسابقون رحمهم الله، تعبوا حتى أوصلوا لنا عقيدة التوحيد، وربونا وهذبونا، وانتشلونا من مخاطر متلفة. ونحن واجبنا أن نكون أوفياء لهم، فنكمل مسيرتهم.

غرسوا فأكلنا، ونغرس فيأكلون. والغرس يقتضي مخالطة الناس، ومشافهتهم، والصدع بالحق. أما أن يختار الخلوة، ويترك محاربة الأفكار الأرضية، والمفاسد الخلقية، فهو كما وصفه مصطفى صادق الرافعي: “يحسب أنه قد فر من الرذائل إلى فضائله، ولكن فراره من مجاهدة الرذيلة هو في نفسه رذيلة لكل فضائله. وماذا تكون العفة والأمانة والصدق والوفاء والبر والإحسان وغيرها إذا كانت فيمن انقطع في صحراء أو على رأس جبل؟ أيزعم أحد أن الصدق فضيلة في إنسان ليس حوله إلا عشرة أحجار؟ وايم الله، إن الخالي من مجاهدة الرذائل جميعا لهو الخالي من الفضائل جميعاً”.

إن مشكلة المسلمين ومشكلة الدعوة الإسلامية لا تتمثل في قلة عدد من بقي ثابتاً صامداً على إسلامه. فإن كل قطر من أقطار الإسلام لا يزال فيه شباب خير كثير عددهم، ولكن المشكلة في أنهم يصدعون بإسلامهم، ولا يدعون، أو يدعون من غير تنسيق بينهم. وإلى هذا المعنى أرشد الداعية البطل المقدام الفقيه عبد القادر عودة رحمه الله فقال:

“في البلاد الإسلامية اليوم جيل مثقف ثقافة إسلامية عالية حريص على أن يعيد للإسلام ما فقده، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا عيب فيهم إلا أنهم متأثرون بأسلافهم إلى حد كبير في بعض الاتجاهات، حيث يصرفون أكثر جهدهم في العبادات والمواعظ، ولو أنهم صرفوا أكثر جهدهم في تذكير المسلمين بشريعتهم المعطلة وقوانينهم المخالفة للشريعة وحكم الإسلام فيها لكان خيراً لهم وللإسلام”.

الإمام أحمد يباشر التجميع

كان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح، أو زهد، أو قيام بحق، أو اتباع للأمر: سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله. ولا يكون داعية اليوم إلا من يفتش عن الناس، ويبحث عنهم ويسأل عن أخبارهم ويرحل للقائهم، ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ومن انتظر مجيء الناس إليه في مسجده أو بيته فإن الأيام تبقيه وحيدًا، ويتعلم فن التثاؤب.

لابد للداعية من اتصال بالناس، ولابد له من مجالس يعلمهم فيها. لابد له من ترك زوجه وأولاده ومجالس الدنيا وهموم التجارة بضع ساعات في كل يوم، يتوجه فيها إلى الله، داعياً أن يعين به ضالاً من ضحايا الطواغيت الحالية، فيهديه، أو يعين به يائساً جامداً، يستهلكه الحزن على واقع المسلمين، وتقيده همومه الدنيوية، فتحركه وتهزه وتغطه غطًا.

وقد كان السلف رضي الله عنهم أفرح ما يكونون عند العمل للدعوة وهداية أحد على أيديهم. كان عبدالقادر الكيلاني يقول: “سبحان من القى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي”. ثم يقول: “إذا رأيت وجه مريد صادق قد أفلح على يدي: شبعت وارتويت، واكتشيت، وفرحت، كيف خرج مثله من تحت يدي؟”.

فقه الوزير الداعية

واسمع إلى طريف ما فهمه الفقيه المحدث العابد الوزير العباسي الصالح ابن هبيرة الدوري رحمه الله من قوله تعالى: “وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى”، إذ يقول: “تأملت ذكر أقصى المدينة، فإذا الرجلان جاءا من بعيد في الأمر بالمعروف، ولم يتقاعدا لبعد الطريق”.

وياله من استخراج بديع مع بساطته يجعل الداعية يتأمل ويقول: هل يتأتي للداعية اليوم أن يستكثر ما توجبه الدعوة عليه من حركة يومية بعيدة بعد أن يعرف هذا الذي كان عليه سلفه من دعاة القرون الأولى وصفتهم هذه التي خلدها القرآن في التجول والذهاب إلى الأقاصي بغية بث الدعوة والأمر بالمعروف؟

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: