الرئيسية > كتاب المنطلق > 7- جهاد الحُجّة

7- جهاد الحُجّة

وعي المسلم لوجوب الدعوة إلى الله، وفقهه لهذه المسألة الحدية، ووضوح رؤيته لهذا المعلم البارز من معالم الطريق الإسلامي: كل هذا يحدد نقطة البدء والانطلاق في مسيرة الفرد المسلم في الحياة، وفي خطة أي إصلاح جماعي، ومن ثم وجب الإلحاح في بيان هذا الواجب، وتطيبق السلف الصالح له، وأمثلة من تجدد سيرة السلف وكلامهم في ذلك في قرننا هذا.

وكما رأينا عبد الله بن مسعود يرصد نفسه في الكوفة لتفنيد العزلة، نرى الحسن البصري سيد التابعين رحمه الله يرصد نفسه في البصرة لبعث همم الناس، وشرح معنى الإصلاح، فيتلو على أهل البصرة قول الله تعالى: “مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ” ثم يقول: “هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته”.

اقباس متشابهة من نور واحد

فلأن منهجهم هو جعل القرآن والحديث الصحيح مصدر الفهم، وبناء الاستعداد النفسي لقبول جميع معاني القرآن والحديث التي يشير إليها العقل السليم والظاهر اللغوي، اتحدت أقوال هؤلاء الرهط الفاضل الذين ننقل عنهم ومفاهيمهم، ابتداء بالصحابة، ومن تبعهم بإحسان، ومرورًا بابن الجوزي والشيخ عبد القادر وابن تيمية وابن القيم، وانتهاء ببعض أفاضل هذا العصر، كالرافعي وإقبال وعبد الوهاب عزام، وبقادة الدعوة كالإمام البنا، والمودودي، وعودة، وسيدة قطب، وسيظل سير هذه الطائفة الظاهرة على الحق، الآخذة بالمعنى الظاهر، إلى يوم القيامة، بعكس منهج الطوائف الأخرى التي حددتها ابتداء تأثرات فلسفية، وميول ابتداعية، وشهوات بدنية ونفسية، وتخوفات، وجبن وحرص، فما عادت تفتش إلا عما يوافق الذي وقر في عقولها ونفوسها، وتعرض عما يفضحها، أو تتمحل وتتكلف لصرفه عن معناه الظاهر.

في سورة العصر كفاية

وسطر واحد في القرآن فيه كفاية وغني لأصحاب المنهج الأول الصحيح، وذلك قوله تعالى: “وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”.

ولذلك وصف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  سورة العصر بأنها تعدل ثلث القرآن. فلكمتان فحسب، لأنهما بينتا وجوب الدعوة، كانتا ربع ثلث القرآن.ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو فكر الناس في سورة العصر لكفتهم.

أو باحرف أخرى يقولها الداعية الأستاذ محمد محمود الصواف: “إن شرط النجاة من الخسران جعله الله تبارك وتعالى معلقا بمعرفة الناس للحق، وإذا عرفوه ألزموا أنفسهم به، ومكنوه من قلوبهم، وعاشوا بالحق وللحق، ولا يعفون من المسؤولية ولا ينجون بأنفسهم إذا عرفوا الحق ولم يبشروا به ويدعو الناس إليه ويحملوهم حملا على التمسك بالحق واتباع الحق.

فالدعوة إلى الحق والتبشير به: فرع الإيمان بالحق ومعرفة الحق، ولا يتم الأصل بدون هذا الفرع، الذي هو الدعوة إلى الحق والتبشير به بين الناس، ومن لم يأخذ نفسه بحمل الناس على الحق الصحيح، بعد أن يعرفه ويتبعه، فهو من الخاسرين، لأن أمر الله تبارك وتعالى صريح في هذا الآية، وهو التواصي بالحق، والتواصي يحمل معنى الدعوة إلى الحق بكل صراحة وقوة، فإذا عرفت الحق، ورأيت أهل الباطل يزيغون عن الحق، ولم تدعهم إلى اتباع الحق، وتوصهم باتباع طريق الحق الذي هو الصراط المستقيم، والنور المبين، فلا شك أنك من الخاسرين، لأنك لم تنفذ أمر الله، وتتواص بالحق ولأنك أخذت الحق لنفسك ولم تحمل عليه غيرك من الزائغين المنحرفين أو المخطئين التائهين، والمسلم لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش لنفسه وللناس، فإذا أصلح نفسه: وجب عليه إصلاح غيره، والدعوة إلى الإصلاح تشمل الناس جميعا، كل على حسب طاقته، وبقدر نطاقه الذي يحيط به، والنص في هذه الآية صريح، لا يقبل التأويل”.

الداعية مجاهد مهاجر

وبمقابل ذلك، منح الله تعالى المتواصين بالحق، من الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الذين يقذفون بحجج الله وبيناته على آراء العقول الزائغة، أجر وثواب المجاهدين والمهاجرين، فعد الأمر والنهي جهادًا، والثبات على الدعوة هجرة. وقال ابن القيم: ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، فأما جهاد الحجة فأمر به في مكة بقوله تعالى: “فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ” أي بالقرآن “جِهَادًا كَبِيرًا”. فهذه سورة مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة.

أي أن نقف لآراء عقولهم القاصرة بالمرصاد ندمغها بحجج من هذا القرآن، فإذا باطلهم هو زاهق. إذن الدعوة، والأمر والنهي، والتواصي، نوع من الجهاد، كما أن الداعية بعد ذلك له أجر المهاجرين، كما قرر الإمام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: “وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ”، فقال: “قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة، وهكذا قوله تعالى: “لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ” يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية، ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل، والله سبحانه وتعالى أعلم.

إلحاح الكيلاني في بيان وجوب الدعوة

وقد اختار الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله الإلحاح في بيان وجوب الدعوة، وعاد يذكر خيار أبناء الأمة الذين تجمعوا من أطراف الأرض في بغداد عاصمة الإسلام.

يصف الدعاة أولا، فيقول: “هم قيام في مقام الدعوة، يدعون الخلق إلى معرفة الحق عز وجل، لا يزالون يدعون القلوب”. كما يجعل إتاحة الله سبحانه لعبده هذا المقام الشريف أكبر نعمة، ويعد انشغاله به دليلاً على صحة تبعيته وخلافته للرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: “من صحت تبعيته للرسول صلى الله عليه وسلم ألبسه درعه وخوذته، وقلده سيفه، ونحله من أدبه وشمائله وأخلاقه، وخلع عليه من خلعه، واشتد فرحة به”

ثم يدعوهم إلى إماتة الهوى والنفس الأمارة بالسوء، لتحصل حياة الدعوة. موت ثم نشر، ثم إذا شاء أنشرك له، ردك إلى الخلق لتنظر في مصالحهم وتردك إلى بابه، يجيء لك الميل إلى الدنيا والآخرة لتتناول أقسامك منهما، تجيء لك القوة على مقاساة الخلق، فتردهم عن ضلالهم.

ثم يوجز صفات الداعية وشروط التوثيق في صفة واحدة جامعة لصفة التجرد الكامل والانغماس بكله في الدعوة، حتى ينسى نفسه ويعود لا يرى إلا من يدعوهم، ولا يتكلم إلا بما يفيد من يدعوهم. فعالمه، وكونه الفسيح: لا يحوي تجارةً، ولا شهوةً، ولا منصباً، ليس في هذا الكون إلا الذين يباشر دعوتهم، هم تجارته، ولذته، ومنصبه. فيقول: “يصير كأنه لا نفس له ولا طبع ولا هو، ينسى طعامه وشرابه ولباسه، يصير ناسيا لنفسه، ذاكرا لخلق ربه عز وجل، يخرج بقلبه عن نفسه والخلق، ويبقى بربه عز وجل، كل طلبه نفع الخلق، قد سلم نفسه إلى يد قضاء ربه عز وجل.

فهذا نموذج الدعاة. هذه صفة من يريد أن يكون ضمن القاعدة الصلبة التي يبني عليها الإسلام الآن.

ووالله لا نجاح للدعوة، ولا وصول، إن أعطيناها فضول الأوقات، ولم ننس أنفسنا وطعامنا.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: