الرئيسية > كتاب المنطلق > 10- تنسيق وشمول

10- تنسيق وشمول

سَمتَان ما زال الإسلام يعرف بهما. سَمتُ الاستعلاء على المبادئ الأخرى جازماً بضلالها. وسَمتٌ وليد هذا الترفع، يطبعه بالتبرؤ من الأغيار، ومفاصلتهم، وهجر كل صاحب هوى. وفي هذين السَمتَين تعبير عن فطرة التغيير التي طبع الله الإسلام عليها، المتعدية بالتالي إلى طبيعة الحركات الإسلامية. وأمام هذه الفطرة، غدت مناهج المهادنة، والمصالحة والتعايش بين الإسلام والكفر فاشلة.

الانسياب الموزون وليد المركز الثابت

التنسيق يكون أولاً. فقد يكون الدعاة دعاة فكرة مجردة، تراهم كأروع الدعاة فهما للإسلام وعقيدته وأنظمته وقوانينه، وأكثرهم قراءة للكتب، ولعلهم من أشد المسلمين حماسة، وأخشعهم في الصلاة، ولكنهم ينفرون من التقيد بخطة ونظام، ما وقر في نفوسهم اعتقدوه، وما تبين لهم من طرق سلكوها، فهم قادة نفوسهم، لا يبالون إن وافقت أعمالهم الدعاة الآخرين، أم خالفوها منفردين. أولئك أبعد الناس عن الوصول إلى ثمرة إيجابية، وأولئك هم المراوحون.

أما الذين يفتحون للأمة اليوم نافذة تطل بها على نوع أمل، فإنما هم المنسقون. إذ ما زالت التجارب والتطبيقات تظهر الأهمية العظمى لدور التنظيم في إحلال الانسجام والتنسيق بين جهود العاملين، مع استثمار أدنى درجات إمكانية إفادة الإسلام لدى الأشخاص استثماراً إيجابياً مباشراً.

وإن الخطة البارعة بإمكانية أن تجعل التنظيم مركزًا تسير في فلكه جهود الأفراد في انسيابية هندسية جميلة ليس فيها اضطراب، كانسيابية محيط الدائرة الجميل الاستدارة بالنسبة لمركزها.

فليس في الجهود المبذولة ما هو صغير إذا جاء في حينه المناسب، ومكانه المناسب، وللدعوة متطلبات واحتياجات متكاملة، بعضها يكمل بعضاً، والجهود المبذولة للوفاء بها متكاملة: صغيرها يكمل ويقوى كبيرها.

تكامل في التطبيق

ثم يكون الشمول ثانياً. وهو شمول بالسعة التي بلغها الإمام البنا رحمه الله في الأصول العشرين، فاسلامنا: “دولةٌ ووطن، أو حكومةٌ وأمة، وهو خلقٌ وقوة، أو رحمةٌ وعدالة، وهو ثقافةٌ وقانون، أو علمٌ وقضاء. وهو مادةٌ وثروة، أو كسبٌ وغنى. وهو جهادٌ ودعوة، أو جيشٌ وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة”. إنها سعة في الفهم، توجب على تجمع العاملين سعة أخرى في الأسلوب والتطبيق.

فليست الدعوة الإسلامية حزباً سياسياً، وإن كانت ساعية إلى الحكم، في انتباه تحذر معه أن تلهيها الأحداث عن خطها التربوي، وواجبها العبادي.

ولا هي مجمعاً فقهياً محضاً، أو كلية شريعة، أو دار للإفتاء، وإن كانت تحرص على الثقافة الشرعية، والسير على بينة من السنة الغراء، في بعد عن الجدل في الفروع، وعن الترف  الفكري المثبط لهمتها في التجميع وقيادة العامة.

ولا هي دار نشر، أو وكالة إعلامية، وإن كانت الصحافة وملاحقة الأحداث وبيان حكم الإسلام فيها من تمام واجباتها.

ولا هي بعد ذلك منظمة فدائية، أو مؤسسة عسكرية، أو فرقة كشفية، وإن كان الجهاد أصلاً من أصولها، والألعاب الرياضية أسلوباً من أساليبها، في غير ما تورط في عنف ومجازفة واستعجال.

كما أنها ليست جمعية خيرية، أو وزارة أوقاف، وإن كانت تأخذ بيد اليتيم والفقير، وتسعف المريض، وتساهم في بناء بيوت الله.

نعم ليست الدعوة شيئا من ذلك، ولكنها كل ذلك، فإن تزاحمت الحاجات، وقصرت الطاقات: كان تقديم الأهم وفق نظرة نسبية، تبعاً لميزان التوفيق بين المصالح والمفاسد المتعارضة، بإهدار كل مصلحة صغيرة يؤدي الحرص عليها إلى تفويت مصلحة أكبر منها، واحتمال اليسير من المفاسد، لدرء ما هو أعظم.

قيادة المسلمين أولى من زيادة البر

ويبدو من تجاربنا، أن الأكثرين ممن نخاطبهم اليوم ينقصهم الوعي السياسي، والمنهج الفقهي، ولم تتوهج فيهم بعد روح الجهاد. ولكن الجانب الخيري هو الذي مازال يحتل شطراً واسعا في تفكيرهم، ولا شك أن مما يساعد على ترجيح هذا التفكير عندهم: تلك القلوب الرقيقة التي يملكونها، المفعمة بالإيمان الفطري، والتي مازال يؤجج تركيز الوعظ على معاني البر ومكارم الأخلاق حماستها للمساهمة في كفالة الأيتام، وبناء المدارس ورفع المساجد. ولذلك فهؤلاء بحاجة إلى مزيد خطاب يفهمهم تكامل الدعوة وامتيازها عن أساليب الجمعيات الخيرية.

ولكن داعية الإسلام قد رصدته صفته لأهم من الجانب الخيري، وعليه أن يسد ثغرات ما نرى في الأمة من يسدها إلا هو، ليس أجرها بأقل من أجر أبواب الخير، إن لم يكن أضعافها. إن أمام الداعية تنفيذ هذا الواجب التجميعي التربوي الثقافي الإعلامي السياسي الجاهدي الخيري، في شموله الواسع وتكامله المترابط.

وهذا هو التميز الثاني، من بعد التميز الأول عن عامة المسلمين بواسطة الجماعية في العمل. وهو تميز قديم لا نبتدع القول به، أمر به إمام دعاة زمانه أحمد بن حنبل رحمه الله.

وذلك لما سأله تلميذه زهير بن أبي زهير عن أحد الدعاة، فقال: “إن فلانا ربما سعى في الأمور، مثل المصانع، والمساجد، والآبار؟ قال: فقال لي أحمد: لا، نفسه أولى به. وكره أن يبذل الرجل نفسه ووجهه”.

فها هنا مسألتان كشف عنهما الإمام أحمد:

الأولى: كشفتها ألفاظ هذه الحروف، وهي أن لا يبذل الداعية وجهه، بالتعرض إلى جمع المال من الأغنياء، ولو لمصلحة عامة، فقد يحبس هذا النشاط لسان الداعية عن قول الحق.. أمرًا أو نهيًا.

والثانية: يكشفها مجمل قصده من حفظ الوجه، وهو التفرغ، بهيبة كافية، لقيادة جمهور المسلمين، ومصاولة الابتداع وأعداء الإسلام، والأمر بالمعروف، ونشر العلم، مما تفصح سيرته هو عن مثل ذلك.

وهذا الإفتاء قريب مما ذكره فقهاء الأحكام السلطانية، حين أوجبوا على الخليفة أن لا يتشاغل عن سياسة الدولة وتدبير الجيوش بالعبادة وأعمال البر الشخصية، كما قال الماوردي، حين جعل من واجبات الخليفة:

“أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح وقد قال الله تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ)”.

فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال. وهذا وإن كان مستحقاً عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مُسترع.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

وإنها لرعاية حقاً، ومسؤولية صدقاً. معهما يلمس المرء تماماً البعد الشاسع بين جهدين: جهد السعي المجرد في مصالح الناس، مهما أتعب البدن. وجهد مواكبة الدعوة في شمولها، مواكبة تستهلك البدن، وترهق الفكر، وتمتص رحيق الروح.

ولذلك كانت حالة الشمول سموا، لا يقوى عليها إلا أشداء المؤمنين.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: