الرئيسية > كتاب المنطلق > 11-راية الخير

11-راية الخير

يعيش الغرب حالة من الخواء الروحي، والانحدار الجنسي، والتمييز العنصري، والظلم الاستعماري، وهذا في حد ذاته فضيحة كبيرة للحضارة الغربية. وهذه الحالة هي نفسها التي أرهقت المجتمعات الشيوعية.

إن تأملا قصيراً يرينا بوضوح أن شعوب الأمة الإسلامية قد ملت وسئمت ما اقتبسوه لها من مادية الغرب ونظمه، وما فطنوا له فقلدوه من أساليب الإرهاب والتجويع الشيوعي، وأصبحت القلوب والعقول على أتم الاستعداد لمسيرة إياب إلى الإسلام ثانية.

ولكن بينها وبين الوصول إلى دار السلام مفازة. ولابد للمفازة من دليل. وشرط الدليل أن يكون خبيرا مميزا للأثر، متفرسا، ناظرا في أبراج السماء. فإن وجد الدليل فإن الوصول قريب.

جاذبية الدعاة

ويكون التفاف الناس حول دعوة الإسلام حتمياً إذا شد الدعاة قواهم، حتى يعتاد الناس الدوران في فلكهم، ويجدون في ارتباطهم بالدعوة نوع اضطرار. فأنتم أنتم أيها الدعاة من يتحكم في الأمر. لا نماء لأحزاب الضلال أن شددتم قواكم. ولا مناص للناس آنذاك، إنما هم أسراكم. وإنما شد القوة في الاجتماع. ونتيجة الاجتماع أن يكون الصف. ومن أتى صفا غَلب، إلا أن يشاء الله غير ذلك. “إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ”.

إن الجاهلية المنظمة لا يغلبها إلا إسلام منظم. ولا ينتصر دعاة الإسلام اليوم إلا إذا جمعوا خيرهم ثم أتوا صفاً واحداً متراصاً مقتحماً.

ارفع للخير راية

ولكن كيف يتم التجمع بلا مبادأة من صاحب خير؟ إنها المبادأة اللازمة، تارة تكون تكبيرًا ينبه، وتارة تكون نارًا تلفت، وتارة تكون راية يبصر أهل الخير فيتجمعون حولها، ولا ينقص المسلمين اليوم في كثير من البلاد إلا هذه الراية، فإنهم كثير عددهم غزير عملهم، جميل ذكرهم، إنما أضعفهم التشتت والضياع.

وقد زار عبد الوهاب عزام رحمه الله معظم بلاد الإسلام، وساح في بلاد العرب وتركيا والهند، ودرس واقع المسلمين عن قرب، فما خرج بغير هذه النتيجة، فعاد ينادي الخيرين أن: “لا يخدعنكم الفساد الظاهر والشر المستشري، ولا يهولنكم ذكر فلان وفلان من المفسدين، ففي الأمة أخيار أكثر ممن تعدون من الأشرار، ولكنها راية رفعت للشر فأوى إليها أشرارها، وهرع نحوها أنصارها، ونفر منها الأخيار فلم ينحازوا إليها، ولم نسمع أصواتهم حولها، ولو رفعت للخير راية لانحاز إليها الأخيار وحفوا بها وسكنت أمة الأشرار وقل جمعهم وخفت ذكرهم”.

وكثير من أهل الخير إنما وقعوا في الأوهام من هاهنا، رأوا ضخامة الفساد في بلادهم، وتغير الموازين والمقاييس، وتسلط الأشرار، فظنوا أن الأمر قد فلت، واستحكم الكفر، واختاروا إما السكوت وإما الهجرة إلى بلد أخف شرًا يتعطلون فيه.

الهجرة المفضولة

شان الحر الداعية دومًا، الصبر على العيش والمقام في بلده، ليلتقط من مجتمع مستخذ فتياناً صباح الوجوه، لم يصب قلوبهم وأبدانهم شيء من دنس الجاهلية وأمراضها وحرامها، ويربيهم ويغرز فيهم عزة الإسلام، ويجعلهم صفوفًا. نعم، في المجتمع المستخذي الذي طال خضوعه للطغيان، تجد أن النفس تميل إلى الإسفاف، وتخلد إلى الراحة، وتهوى الهين من كل أمر.

ومع هذا تجد في النفس نزوعاً إلى العلاء، وشغفاً بالارتقاء، وحنيناً إلى المكارم، وشوقاً إلى العظائم. إن فيها لجمرة يغطيها الرماد، وشرارة يقدحها الزناد، فإن وجدت نافخاً في جمرها وقادحاً لشرارها: استيقظت، وتحفزت، وعملت، وصعدت. وكلما ذاقت لذة العمل والرقي زادت حباً له، وهياماً به.

ولهذا فإن المهاجر مخطئ، إلا هجرة صاحب سر يخشى عليه، أو هجرة صاحب فقه إلى من يحتاج إليه، أو هجرة من يخشى الفتنة في دينه. أما السكوت فأبعد عن الصواب، والذين يبصرون بالظلم في كل طريق، ويلتقون بالبغي في كل ثنية، لا يحركون يدًا ولا لسانًا، وهم قادرون على تحريك اليد واللسان أولئك لم يعمر الإسلام قلوبهم، فلو عمرها لانقلبوا مجاهدين.

إنما تقدسنا الدعوة

قال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود”. ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان: أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة‌‍! فكتب إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس العبد عمله.

فالعمل هو الذي يقدس صاحبه، وأفضل العمل: أمر بمعروف ونهي عن منكر، وأفضل الأمر والنهي: ما كان في بلد يحتاج إليه ويثمر فيه، فلا تخدع نفسك بزهد مجرد يقودك إلى الهجرة عن موطن النفع بل أصغ لابن القيم يشرح لك أمر حين يقول:

“ليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله، وأكثر الديانين لا يعبأون منها إلا بما شاركهم فيه عموم الناس، وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله ودينه وكتابه، فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم فضلاً عن أن يريدوا فعلها، وفضلاً عن أن يفعلوها. وأقل الناس ديناً، وأمقتهم إلى الله: من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعها، وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله ويغضب لحرماته، يبذل عرضه في نصرة دينه”.

والنبي صلى الله عليه وسلم كانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا، وأعظمهم عند الله قدرًا. ولك فيه صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: