الرئيسية > كتاب المنطلق > 12- معادلة يفهمها الرجال

12- معادلة يفهمها الرجال

من ظواهر تاريخ الدعاة أنك تجد جمهرتهم العظمى قد عملت وبذلت للدعوة الإسلامية الشيء الكثير بصمت وسكون، وشغلهم الإنغماس في العمل اليومي والتربوي والتجميعي عن تدوين كثير مما تَكَشف لهم من فقه الدعوة الذوقي والتجريبي، وقليل هم أولئك الذين حبوا الدعاة بتدوين وشروح.

لكنك أيضًا، بازاء هذه الظاهرة، تجد أن الله سبحانه يلهمهم بلاغة وفصاحة غير اعتيادية، يتاح لهم بها أن يوجزوا ويجمعوا مذهبهم في الدعوة في بضع كلمات قليلات تكون لأجيال الدعاة الآتية من بعدهم أصلاً فقهياً مهماً، ومعلماً بارزاً من معالم الطريق، ويكون قائلها أستاذًا في الدعوة. قد لا تتعدى كلماتهم الأسطر، لكنها تكتسب أهميتها من كونها تقيم علاقة وارتباطًا بين جزئيات إسلامية على وجه يضخم حجم هذه الجزئيات تضخيماً تغدو به عظيمة الأثر.

فاستطاع هؤلاء الدعاة أقامة أشكال من العلاقات بين الآداب والأوامر الإسلامية، كشفت عن درب واسع لمن يريد أن يسير، وحددت العوامل الحاسمة ونقاط التأثير، ودللت على ما منحهم الله تعالى من عميق الوعي، وما اكتسبوه من طويل التجربة.

إنكار المنكر دليل الفراسة

من هؤلاء الدعاة لبيب من الفحول، تدل المعادلة التي وضعها على كمال عقله، ونفاذ بصره، لكنه مغمور مجهول، اسمه أبو بكر بن يزداينار، رحمه الله. سئل عن الفراسة الإيمانية ما هي؟ فقال: “نظر الصالح، بالصلاح الذي فيه نور التقي والإيمان والحقائق والصدق، بالزهد في الدنيا، والرغبة في العقبى، فينكر على أهل المنكر منكرهم”.

فانظر المعنى الكبير في هذا المتن الصغير. فهو قد جعل الفراسة شدة يقين الداعي إلى الله بثوابه يوم القيامة، ومعرفته تفاهة هذه اللذات الدنيوية المحدودة المقطوعة الممنوعة، فيحمل نفسه على تغيير المنكر، ومنازعة أهل المنكر بشجاعة يمدها إياه هذا اليقين.

وانظر العناصر الأربعة التي تجتمع فتكوّن الصلاح الذي يدفع بصاحبه إلى صيحة الحق.

تقوى: تلبي الأمر، وتقف عند الشبهة. وإيمان: يرى به من اليقين الأخروي ما يحجب عن أموات القلوب. وحقائق: يعيش معها صاحبها حياة الواقع، لا أوهام الدنيا القصيرة الزائلة. وصدق: القلب في ظنه، واللسان في نطقه.

وانظر دقة اتجاه إنكاره وشموله: إنه لا ينكر المنكر فحسب، بل ينكر على أهل المنكر منكرهم. أي أنه لا يعرف التعميم، ولا التورية. إنه يمد إصبعه يشير إلى الطاغوت بالاتهام، ويرفع صوت يعلن فضيحة الكفر الذي أمامه، باسمه، ورقمه وعنوانه، ثم لا تلبث الإصبع الواحدة حتى تنفتح معها بقية الخمس، فتكون يد التغيير من بعد إصبع الاتهام.

ومن هنا تنكشف أهمية البحوث في فقه الدعوة، وما ينبني عليها من تخطيط حركي. إن دور فقه الدعوة دوما أن يضع الوصف الصحيح، باللفظ الصريح، للعمل الفصيح.

روعة الفقه الحركي تكمن في الأمانة والاجتهاد

ومثلما لا يليق بعلماء الذرة الآن أن يتطاولوا على أرخميدس وفيثاغورس وغيرهم من قدماء علماء اليونان، لما نجده من تقارب قوة وأهمية معادلات أولئك ومعادلات هؤلاء في دفع عجلة العلم، وأن كلا من الجمهرتين أتت رائعاً بديعاً في عصرها، فإنه لا يليق أيضاً بالمتأخر ممن يفتش للدعوة الإسلامية عن معادلاتها الجديدة أن يتطاول على من سلف من فقهاء الأمة وقادة الدعوة، ولا أن يتنكر لهم، ولا أن يدلس على من يخاطبهم، بل يجب عليه أن يكون وفياً أميناً، فيذكر نص حروفهم حيث أغنت وكفت للتعبير عما يريد، ويكون له دور الإحياء، والربط، والتحليل، وإبراز المهم، وشرحه، وبيان حصول الإجماع فيما أجمعوا عليه. والأسطر الخفية المنسية إن أرجعها الباحث إلى ميدان التداول، وأوقع الأبصار عليها، وفتح أبواب القلوب إليها، فكأنما أحياها من بعد موت، واصطادها من بعد فوت.

وواجب المتفقه أن ينتبه لمثل هذا السمت الواجب لبحوث الدعوة، فلا يضيق صدراً بالنقول، بطراً وترفاً، ولا يسأم تكرر المراجع، فإن الفقه منحة الوهاب، حبا به قوما قليلين.

فإن لم تقدم هذه البحوث اجتهاداً جديداً فإنها لا تخلو من تعبير يزيد الوضوح، أو اصطلاح يخصص الدلالة، أو فتوى فقيه قديم مهاب يبين أصل ما نظنه جديداً، أو –على الأقل- تقريب اجتهاد الآخرين، بالإقرار والموافقة، من تناوش الإجماع.

وحين تصدأ القلوب، وتتعكر النفوس، وتبرد الهمم، يكون ما تحمله هذه البحوث في ثناياها من قصص الحماس، ومجاز الخطاب، ومنظوم الألفاظ، نعم العلاج اللطيف، فيه التجلية، والترقيق، والتصفية، والإشعال.

نبدأ بالمنكر الأكبر

المنكر الأكبر، هو الحكم بغير الإسلام، وتعبيد الناس عن طريق حكمهم بغير شريعة الله. والأمر بالمعروف يجب أن يتجه أولاً إلى تقرير ألوهية الله وحده سبحانه، وتحقيق قيام المجتمع المسلم. وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، إقامة الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة الله، وإقامة المجتمع المسلم المحكوم بهذه الشريعة. فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر في الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي، ولم ينفقوا قط جهدهم، قبل قيام الدولة المسلمة، والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي لا تنشأ إلا بعد قيام الأصل الأصيل.

ومفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع، فلا يبدأ بالمعروف الفرعي والمنكر الفرعي قبل الانتهاء من المعروف الأكبر والمنكر الأكبر، كما وقع أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم.

وهذا لا يعني أن يمتنع الدعاة عن تعليم أنفسهم وتعليم من معهم آداب الإسلام وأحكام العبادات، ولا النهي عن منكر فرعي يمكن إزالته بهذا النهي، لكنها دعوة واضحة لعدم خداع النفس وتلهيتها بالاكتفاء بالنهي عن المنكرات الصغيرة والعزوف عن منكر الحكم بغير الإسلام، والقناعة برتبة الوعظ في مباحث إزالة النجاسة وسجود السهو دون الجهر بالحق، والإشارة إلى الطاغوت، وتجميع المسلمين، وتربيتهم، وتنسيق جهودهم وتوجيهها للنهضة الشاملة.

هو شأن الرجال….

لا زال الإسلام مستعداً أن ينهي شقاء البشر، ولكن تبليغ الإسلام هو الذي ضعف. ولذلك قال بعض السلف: “يا له من دين لو أن له رجالاً. فالإسلام لا يريد أناساً الفقه والزهد من صفاتهم وحسب، لكنهم دعاة، همهم هداية الخلق، وإنفاذ حكم الله، والإنكار على من يحكم الناس بهواه.

قال العمري الزاهد: “إن من غفلتك عن نفسك، وإعراضك عن الله، أن ترى ما يسخط الله فتتجاوزه، ولا تأمر فيه ولا تنهي عنه، خوفاً ممن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً”.

وقرّع بن تيمية الخائفين من الصالحين فقال: “هؤلاء وإن كانوا من المهاجرين الذين هجروا السيئات فليسوا من المجاهدين الذين يجاهدون في إزالتها، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للهً.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: