الرئيسية > كتاب المنطلق > 13- الميثاق

13- الميثاق

كل سطر إلى زوال، إلا هذا القرآن فإنه خالد. وكل نتاج عقول البشر في تغير وتبدل دائمين، إلا نتاج عقل يقتبس من مشكاة القرآن. فإنه يقتبس شيئاً من ذلك الخلود والاستقرار والثبات.

فمن ثم تجد وحدة الفهم، ووحدة الوصف والتشخيص والمعالجة تجمع من تكلم في الإسلام ونقد المجتمع، ابتداءً بمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم  وانتهاءً بمن آمن به ولم يره في هذا القرن. بل حتى إنك لتجد في كلامهم بوضوح وحدة الأسلوب البلاغي، ووحدة الاصطلاح. إن هذا الحفاظ والثبات وإن رآه الواهمون جموداً، ووقوفاً، إلا أنه في

وذلك لأن حلول الإسلام تنطلق من حقائق الفطرة، ومنزلة ممن خلق الفطرة، لا يزيدها طول التطبيق وتبدل المجتمعات إلا رسوخاً، ويبرز في  كل جيل مثل تطبيقي يشير للناس إلى مصداقها، وهذا هو عنصر الإبداع، فإن ثبات الإسلام وتقلب غيره في التخبط والتبدل: إبداع في الإسلام وإعجاز.

ولهذا، فإن عرض الأقوال المتشابهة التي فاه بها السلف والخلف نم فقهاء الأمة، وإن كان يكرر المعنى والمبنى، فإنه من جانب آخر ينبه على وحدة المنهج والفهم والأداء. وإبراز الوحدة بحد ذاته عنصر يجب على بحوث فقه الدعوة أن تحرص عليه، لما يتضمنه من الإشارة إلى أصالة الخلف، وعراقة مذهبه.

صراحة الإسلام لا استفزاز الظروف

فانظر من قول السلف الأول القديم مثالاً: قالوا: “سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء، فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه”. وانظر معه تعابير سيد قطب في وصف من لا ينكر المنكر”.

هل تستطيع بعد النظر أن تقر من يطيل لسانه على حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ويتهمه بأن كلماته وليدة استفزازات الظروف الصعبة التي كان يعيشها؟ إنه يصف غافل القلب الأخرس بالموت، فإن تنبه قلبه وظل صامتاً، فإن حاله عند حذيفة يقتضي أن نصفه بالمرض الشديد، والشلل القريب من الموت.

وما زادت تعابير سيد والمعاصرين فيما يظن أنه من عنف التعبير على حروف حذيفة.

وهذا هو وضوح الدعوة الذي يفرض نفسه، ولذلك نرى المعتنق لها بصدق سرعان ما ينشأ نشأة أخرى غير التي كان عليها تماماً، وتتحور مفاهيمه، ويخرج من صومعته ليقود الناس. كالذي كان من أمر التابعي وهب بن منبه اليماني، عرفه اليمن راهباً معنياً بسجع الرهبان وعلوم أهل الكتاب المحرفة، فلما أسلم وسئل عن صفه المسلم قال: “يقتدي بمن قبله، وهو إمام لمن بعده”.

فوصفه بالإمامة والتصدي للقيادة بعد إذ كان هو نفسه منعزلاً، وما هو بفهم يبتدعه، لكنه حين أسلم لم يجد مهمة المسلم المتعلم إلا بهذه الصفة، ووجد القرآن يصف إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمة، وفي أحد تفسيري هذا الوصف أنه من الاقتداء والائتمام، كما ذكر ابن القيم، فإنه قال: “الأمة هو القدوة الذي يؤتم به، قال ابن مسعود: والأمة: المعلم للخير”.

البيعة القديمة الحديثة

قال الله تعالى: “وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ” (آل عمران:٨١).

قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: “ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه”. إذن، فالبيعة علينا نحن الآن من ورثة محمد صلى الله عليه وسلم أوجب وأظهر إلزاماً وأولوية.

واعتمادا على هذا الميثاق القديم فهم ابن تيمية: “أن الصادقين في دعوى الإيمان هم: المؤمنون الذين لم يعقب إيمانهم ريبة، وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم، وذلك هو العهد المأخوذ على الأولين والآخرين”.

لا مناص ولا فكاك من تأييد الدعاة

خصص الفقيه الإمام الشاطبي من فروض الكفاية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم، والولاية والإمامة، أي الخلافة وطلبها وسياسة الناس بالشرع. وبين رحمة الله إنها وإن سقط وجوبها عن غير القادر عليها، فإنه مطالب بالتفتيش عن القادر وحثه وإعانته على القيام بها، بل إجباره على القيام بها، وساق أمر الولاية كمثل ينسحب ليشمل ما نص عليه هو من العلم والأمر والنهي، وعلى ما لم ينص عليه مما يوصف عند الفقهاء بأنه من فروض الكفاية.

“وهذا كلام صريح لا يعذر أحداً من المسلمين في قعوده عن تأييد الدعوة الإسلامية مهما كان له من ظروفه العائلية والصحية والوظيفية والدراسية وأمثالها عذر يمنعه من الانتساب الفعلي”.

ولأن عبد القادر عودة كان يسير على نفس المنهج، فقد توصل إلى نفس النتيجة، وأوجب على الجماهير في كل وقت أن تؤيد الحركة الإسلامية الآمرة بالمعروف، وحمل الجماهير مسؤولية تسلط أعداء الإسلام، فقال: “إن جماهير المسلمين قد ألفت الفسق والكفر والإلحاد حتى أصبحت ترى كل ذلك فتظنه أوضاعًا لا تخالف الإسلام، أو تظن أن الإسلام لا يعنى بمحاربة الفسق والكفر والإلحاد، ولا يعنيه من أمر ذلك كله شيء. إن الإسلام يوجب على المسلمين أن يتعلموا الإسلام وأن يتفقهوا فيه وأن يعلم بعضهم بعضا، (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ). ولقد طالما نفرت طوائف من المسلمين فأنذروا قومهم وحاولا تفقيههم في الدين، ولكن الحكومات الإسلامية أخذت على نفسها أن تحارب هذه الطوائف، وأن تحول بينها وبين ما يوجبه الإسلام، إرضاء للاستعمار، وإطاعة للطواغيت، وموالاة لأعداء الإسلام، ورضيت الجماهير هذا الوضع من الحكومات، وما كان لها أن ترضاه، فشارك الجمهور في خنق الإسلام، وهدم الجماعات العاملة للإسلام”.

قمة الوعي يرتقيها الإمام البنا

وقد فاصل الإمام البنا المتذبذبين والمضطربين وصارحهم فقال: “إن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب، والتردد بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة، فإن كتيبة الله ستسير غير عائبة بقلة ولا بكثرة، وما النصر إلا من عند الله.

كذلك أوجز سَمت الجد العام لمنهجه في العمل فقال: “إن رواسب القرون الماضية، ونتائج الحوادث الخالية، لا يمكن أن تزول بأمنية تختلج في الصدور، أو كلمة تكتب في الصحف، أو خطب تلقي على الجماهير، بل لا بد من طول الأناة، ودوام المثابرة، وعظيم المصابرة، والدأب على العمل”.

إذن ليست هي كلمة أو خطبة أو غير ذلك من وسائل الفرديين، بل لا بد من أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادءه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة للناس، ما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعاً آثمون مسؤولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم في إيجادها، ومن العقوق للإنسانية في هذه الظروف الحائرة أن تقوم فيها دول تهتف بالمبادئ الظالمة وتنادي بالدعوات الغاشمة ولا يكون في الناس من يعمل لتقوم دولة الحق والعدالة والسلام.

وتعتبر سيرة الإمام العملية، وبناؤه للحركة الواسعة المنظمة، خير شرح يفهم منه العاملون مذهبه في العمل الجماعي لتحقيق قيام هذه الدولة.

المودودي يشرح المراحل

وقد شارك الأستاذ المودودي في رسم صورة الحركة الإسلامية التي يظنها أهلاً لتحقيق مهمة الاستخلاف في الأرض وبناء دولة الإسلام. وهو يوجب على الجماعة الحركية أن تلتزم بتربية: “مبنية على نظرية الحياة الإسلامية وفكرتها، وعلى قواعد وقيم خلقية وعملية توافق روح الإسلام، وتوائم طبيعته”.

ثم تلح الجماعة على نفسها في تربية أفرادها على هذا الأساس لتنتج دعاة يقومون بمهمة نشر الفكرة من الذين لهم حظ وافر في القانون، والسياسة، وفي كل فروع العلوم والفنون، من الذين امتزجت الفكرة الإسلامية بلحومهم ودمائهم، والذين تثقفت أذهانهم واتسعت مداركهم اتساعاً يؤهلهم لتدوين نظام للأفكار والنظريات، ومنهاج كامل للحياة العملية مبني على مبادئ الإسلام وقواعده، والذين آتاهم الله من الموهبة والمقدرة ما يمكنهم أن يقارعوا به أئمة الفكر ممن لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ويجاذبون بحبل، حتى يبسطوا سلطان سموهم الفكري على عقولهم وأذهانهم ويرغموهم على الاستسلام لزعامتهم الفكرية والعقلية.

فإذا ما سارت الحركة شوطاً في هذا المضمار التربوي والتبشيري تدخل مرحلة الصراع مع الفكر، مرحلة مكافحة ومقاومة للنظام الباطل المعوج السائد في المجتمع الإنساني.

وخلال هذا الصراع يمتحن القائمون بالدعوة وحاملوا لوائها بأنواع من المصائب والشدائد، ويقاسون الآلام والأهوال، ضرباً وقتلاً وإجلاءً عن الوطن، ويبذلون مهجهم وأرواحهم بكل صبر، وجلد، وإخلاص، وعزم قوى، ويبتلون بالشدائد، ويفتنون.

ولكن ثباتهم يؤدي إلى احتدام صراع معاني الحق والباطل في نفوس أفراد المجتمع الذي يرقبون ثباتهم، وصل الصراع إلى أوجه وذروته في نفوس بضعة أفراد كل يوم جديد، فيقررون بشجاعة الانحياز إلى جماعة الدعاة الثابتين، وهكذا تستمر جمهرة الدعاة في ازدياد مطرد، أما أصحاب الطباع الفاسدة والذين في قلوبهم مرض ممن يتبعون الأهواء والشهوات فسوف تختفي أصواتهم، ويضمحل نفوذهم شيئا فشيئا بازاء تيار الحركة الجارف، وسيرها الحثيث.

Advertisements
  1. 13 يونيو 2010 عند 10:40 ص

    جزاك الله خيرا وإلى الأمام إن شاء الله ..
    ويمكن أن ألخص ما فهمته من كتاب المنطلق بالتالي:
    بدأ الأستاذ الراشد كتاب المنطلق برفض الأهواء ، واتباع الكتاب والسنة ، كأصل وبدء للمشوار .
    ثم أراد أن يطمئن المخلصين بتوضيح أن شمس الاسلام لم تغب ، ولكنه كسوف لا يلبث أن ينجلي .
    ثم تطرق إلى إغفال الأبرار عن فجور الفجار ، وبين أن سكوتهم على الفجور يؤدي إلى هلاك الطائفتين .
    بعد ذلك ، انطلق بنا لتذكيرنا بوجوب الدعوة إلى الله عز وجل ، وأنه فرض على الجميع بما يعلم مهما كان علما صغيرا .
    بعد هذا ، أراد أن يفتح مجالات أخرى للعمل الدعوي ، ألا وهو الجهاد في سبيل الله ، بالمال والنفس والدعوة وأن العبادة وحدها دون جهاد ، لا تكفي ، وشبهها باللعب بالنسبة إلى الجد .
    ولمن لم يتحرك بعد ، أراد الراشد له غطة تهزه هزاً ، تأتيه من جهبذ صاحب عزيمة وبذل وتضحية . يعلمه أن يبدأ الانطلاق ، فلا مجال للراحة .
    ثم يقرر مبدأ الجهاد بإقامة الحجة والبرهان ، كنوع أصيل من الجهاد ، ببيان بطلان الباطل ، ودحض أفكاره .
    وبعد ذلك ، يبدأ الراشد في بيان أهمية العمل الجماعي ، وأصوله عند السلف .
    ثم العمل الجماعي عند أتباع السلف من المعاصرين .
    ثم تنسيق للجهود في عملنا الجماعي ، وشمول لميادين الدعوة والحياة بمختلف جوانبها .
    وبعد أن يجد الراشد أن الداعية المسلم قد بدأ السير في خط الجماعة ، وبدأ يطبق الدعوة إلى الله ، طلب منه أن يرفع راية الخير ليراها المسلمون فيلتفوا حولها .
    ومع صولة أهل الباطل ، ووجوب انكار المنكر ، مهما كلف الثمن، بين أن هذه المعادلة يفهما الرجال . ولها يُطلبون .
    بعد ذلك أراد للدعوة أن تسير بقوة وقيادة وعناصر ، وكوادر وطاقات ، فلا بد لها من ميثاق وعهد وبيعة ، يكون فيها إيمان عميق ، ونصرة كاملة.
    ..
    أليس كذلك ؟
    أبو محمود

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: