الرئيسية > كتاب المنطلق > 14- صفة جيل التأسيس

14- صفة جيل التأسيس

حقيقتان بازغتان تصفان الداعية المسلم دوماً، وفي ظلالهما يعيش سعيداً. أنه لا الأرض تحده، ولا العذاب يرهبه. إنه يعمل أني هاجر وطرد، لا يعشق تراباً، ولا يضيق ضمن حدود، ويتآخي مع كل بني الإسلام، فإن لم تكن الهجرة وكان السجن، كان سجنه سياحة لروحه وفكره، وإذا شنق كان هبوط الحبل به علواً ينقله إلى منزل جميل كريم.

الداعية المؤمن ينظر إلى غالبه من علٍ، ويستيقن أن للإيمان كرة لا مفر منها، وإذا مات فموته شهادة، أما غالبه يغادر الدنيا إلى النار، وشتان شتان وهو يسمع نداء ربه: “لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ* لَـٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّـهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ”(آل عمران:196-198).

درس من القاضي الوبيري

وتاريخ الحركة الإسلامية قديماً وحديثاً حافل بالأمثال، والتي يخفى بعضها على الناشئة الجدد. ومنها قصة الداعية القاضي محمد محمود الزبيري رحمه الله، والذي عزم على الإصلاح ليحفظ اليمن في يد الإسلام، لكن شاء الله أن يهاجر طريداً متنقلاً في البلاد.

ولكن للدعاة في عهودهم سمت أخذوه عن الزاهد جعفر الخلدي البغدادي، وسنة في الوفاء ابتدعها لهم، من حين أن قال: “ما عقدت لله علي نفسي عقدًا فنكثته”.

فعاود الكرة وصمم على المنادة بالإسلام في فترة العلم، فأسس الحزب الإسلامي في اليمن يوم كان وزيراً للمعارف والتربية بعد الثورة في الستينات، فتلقى رصاصات في صدره نقلته إلى ما نحسبها شهادةً له. حسبوا أن الرصاصات ستنهي عمله، فكانت رصاصات قدمت لظهور المد الإسلامي الواعي الكفيل بإعادة السعادة إلى اليمن الباكي المعروف بالسعيد.

حرص على البيع

أكد الزبيري سنة الدعاة في الحرص على الموت، والتي لقنها خالد بن الوليد رضي الله عن لمن بعده حين قال للفرس: “قد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة”.

لا تشتغل بترهات

لا تعود هذه الأمة إلى إسلامها إلا بدعوة تؤسس ابتداء على بذل الروح، وإلا فإن الأماني مما دون ذلك، والتعويل على احتمال سماع أئمة الكفر لوعظنا، واللغة الدبلوماسية، لا تعدو أن تكون ترهات فحسب. ويا لها من صرخة في المشرق كان يمد ابن الجوزي بها صوته على شاطئ دجلة ببغداد، ويهتف: “أول قدم في الطريق، بذل الروح. هذه الجادة، فأين السالك؟”.

“إن قطرة الدم لا زالت غالية على المسلمين، وما دامت قطرة الدم غالية فإنهم لن يصلوا إلى شيء، لأن ثمن العزة والحرية قطرة الدم فقط”.

ويجمل داعية فقيه في فتوى فقهية واضحة حول بذل النفس فيقول: “الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفائي يجب أن يكون في الأمة، ولكن إذا كان الحاكم ظالماً باغياً لا يتسع صدره لسماع النصيحة إلى درجة أن يقتل من يأمره وينهاه، فإن هذا الفرض يسع الفرد تركه، لا الأمة. ولكن من المندوب إليه، بالنسبة للفرد، القيام بهذا الفرض ولو أدى ذلك إلى موته، يدل على ذلك الحديث الشريف: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال كلمة حق لسلطان جائر فقتله” فيفهم من هذا الحديث أن من المندوب إليه: القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو أدى ذلك إلى قتل الآمر، ولا يُعترض علينا بأن إلقاء النفس في التهلكة لا يجوز، وهذه تهلكة، قال تعالى: “وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”، لأن الاستشهاد في سبيل الله ليس بالتهلكة، وإنما هو ضرب من ضروب الجهاد، وما يترتب عليه من تقوية نفوس المحقين وخذلان المبطلين وإيقاف الظالمين عند حدهم، فحسن لهذه المعاني، وندب الشرع إليه”.

المراحل الثلاث

إن هذه الفتوى، لا تعني الاستعجال، ولكنها تثبت بنداً في قانون التربية الحركية للقاعدة الصلبة، عنوانه: غرس الاستعداد وشرح التبعة منذ البداية. وهذا يستدعي من الداعية أن يكون على استعداد للمراحل الثلاث للعمل الحركي:

الاستعداد النفسي لبذل الروح وقطرة الدم عند الحاجة، فليست الدعوة جمعية خيرية تقنع بالقليل.

والاستعداد للتعب اليومي، فدون غاية الدعوة رحلة طويلة، وليست هي مجرد تصفيق في احتفال أو استحسان لمقال.

والاستعداد بإنفاق السرور، وتحمل ثقل مصائب الأمة، ابتداء بقضية فلسطين، وانتهاء بمآسي التنصير في إندونيسيا، ومذابح المسلمين في البنغال والفليبين.

حديث من استراح

قال أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي: “دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور. فقال لي  أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت”.

وما أكثر ما يقال مثل هذا للدعاة اليوم، وما أكثر من يفهم الإسلام ثم يحدث نفسه بمثل هذا، فيجبن وينزوي ولا يشارك الدعاة سيرهم، وإنما هو حديث من استراح، كما يقول الإمام أحمد، وأما من لذع واقع الإسلام قلبه فأني له الراحة؟ وأني يدع لصبيانه وزوجه مجال تخذيله وتقييده عن الاندفاع مع الدعاة؟ وهل الموت إلا في آجال؟

والأمثلة كثيرة، فهذا داعية غزة عمر أبو جبارة رحمه الله، صاحب الدعوة منذ صباه ودخل السجن فلم يمته تعب البذل اليومي ومات من سقطة بسيطة. إن عهد الدعوة لن يقدم أجلاً، ولكنه يرفع إلى الفراديس. فإن لم يكن المسلم مع أحمد، أو مع ورثة أحمد اليوم، واختلق لنفسه الأعذار، فإنه مطالب بالأسف وازدراء نفسه على الأقل،  ألا يكون مع القوم العاملين.

فالمؤمن الصادق إن عذر نفسه وأفتاها بالتخلف، لضعف يدريه من نفسه، عرف ما يوجبه ذلك من التواضع وترك التطاول على الدعاة، ويظل يتهم نفسه في اجتهاده، ويمنح الصابرين المقتحمين لساناً جميلاً يكون لهم فيه نوع سلوة وراحة. وأما أسير هواه فيجادل ويثرثر، ويقذف لسانه بكل لفظ صلب، ألا يوصف بتخلف، فيجمع بجداله نقصاً إلى نقص، والعياذ بالله.

فهذا هو القول الموجز والحكم الأخير في حالة المسلمين اليوم في جميع أقطار الإسلام.

إما جهاد وتعاهد على إرخاص قطرات الدم.

وأما أن تلفظهم الحياة، ويستبدل الله تعالى بهم آخرين، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم، ولا يغريهم جمال نساء ومال، ولا يرهبهم طغيان طاغية، واستئساد جاهلية.

نعم…. هذا أو لقب ذي العقل المستريح.

هذا…. وإلا فإنها الترهات.

Advertisements
  1. 14 يونيو 2010 عند 1:42 م

    إن جيل التأسيس الذي يريده الراشد ، له صفتان أساسيتان، وهما:
    لا الأرض تحده، ولا العذاب يرهبه. الحرية والأمل .

    فقد بين الأستاذ الراشد أن لهذه الدعوة لا بد من مؤسسين ، وجيل التأسيس هذا ، له صفات ، من أهمها : أنهم لا تحدهم حدود ولا أرض ، فهم أحرار ، ولا يرهبهم التعذيب والجلاد ، فهم متمسكون بالأمل . باعوا أنفسهم في سبيل الله ، وبذلوها عن طيب خاطر .

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: