الرئيسية > كتاب المنطلق > 15-التوسع الموزون والانتشار المتأني

15-التوسع الموزون والانتشار المتأني

أول ثمرات العزة الإيمانية التي يحسها المؤمن: إدراكه ما في الإسلام من قوة الحقيقة التي يكفي لكي تعلن عن نفسها أن تتمثل في فرد واحد، وما في الآراء الجاهلية المخالفة من زيف الباطل، واحتياجاتها إلى سواد كثير وعدد كبير من الأفراد، يأسر منظرهم كل ساذج،  فيغتر، وينطلي زيف الباطل عليه، دون أن يدرك ما هم فيه من الضلال.

ومن هاهنا رأينا تمثل الأمة الإسلامية أكثر من مرة بمؤمن واحد فقط، كما قال الله تعالى: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا”. قال ابن تيمية: “أي كان مؤمنًا وحده، وكان الناس كفارا جميعهم”.

ومن هنا انتفى شعور المؤمن بالغربة لأنه يمثل الإيمان والحقيقة، يشعر بأن الناس جميعاً وهم في ضلالهم هم الغرباء التائهون. أما غربة الغرباء الذين ذكروا في الحديث الشريف: (طوبى للغرباء) فهي غربة بالنسبة للواقع، أي لندرتهم وقلتهم بين غثاء ضال.

ليس علينا غير البلاغ

دعاة الباطل بحاجة دائماً إلى تبديل صور باطلهم حين لا ينطلي باطلهم على الناس، أما الداعية المسلم فهو يعتقد بأن عليه تحري القول الصائب الموافق للشرع، واتباع الأسلوب الملائم حسب اجتهاده، ثم الله هو الذي يتولى ما بعد ذلك، فإن لم يستجب أحد فلحكمه ربانية، ولو شاء الله لهداهم، ولكن كره الله انبعاثهم مع الدعاة، ولا يسع الداعية المسلم إلا الثبات على ما يعتقد.

“فإن لم يستطع الدعاة اليوم النصر فحسبهم أنهم كانوا أجراء عند الله، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا: عملوا وقبضوا الأجر المعلوم! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة أي مصير، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير”.

نريد أن نكون أئمة

من أحب أدعية القرآن للداعية قول الله عز وجل: “وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا”، وهذا لأنه كما قال بن القيم: “يحب الإمامة في الدين، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إماما، يقتدي به المتقون، كما اقتدي هو بالمتقين. لأنه داع إلى الله يحب أن يُطاع ويُعبد ويُوحد، فهو يحب ما يكون عوناً على ذلك موصلاً إليه”.

سعة التجميع تتناسب مع طاقة التربية

ولكن حب الإمامة في الدين يجب أن لا يخرجنا إلى نوع تساهل في الصفات الإيمانية والطبيعية التي نشترطها لمن يريد أن يكون مع الركب، ويجب أن يكون هناك تناسق وتوازن بين سعة التجميع وسعة طاقة التوجيه التربوي التي نملكها، فإن من أخطر الأخطار أن تتوغل الدعوة في تجميع واسع قبل أن تكون هناك صفوة من الدعاة قادرة على أن تتولى تربية كل الذين يتجمعون حولها، بل يجب أيضًا أن يُبقي رجال الصفوة بعض أوقاتهم لمواصلة تربية أنفسهم هم بالعلم والعبادة، وإلا قست قلوبهم من بعد لذة الابتداء، وإذا قست القلوب فقدت شيئاً من معاني الأخوة.

هذا التوازن ليس بخاص في بداية الدعوة، وإنما يجب أن يكون هو المسيطر على سعة التجميع في أدوار الدعوة كلها، وإلا تسرب الخطر.

ومن هنا فإن الخطة لا تتصور في مراحلها الأولى احتمال حيازة رجل الشارع واستقطاب الجماهير الواسعة، بل لا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا خرجنا إلى نوع تساهل في الشروط، ومن المزالق أن تسير الدعوة وراء رجل الشارع حريصة عليه قبل حصول المقدار اللازم من الوعي الإسلامي، والعدد الكافي من أصحاب التربية الصلبة.

إن الدعوة الإسلامية لا تنتصر برجل الشارع والمصفقون والغوغاء، فما بمثل هؤلاء تنتصر وتغير مجرى الحياة. إن التجميع القطيعي ممكن، لكنه لا يستمر طويلا.

هذا فضلاً عن أن التجميع الواسع ينتقل بالدعوة إلى وضع جديد تحتاج فيه إلى كفايات ضخمة تستخدمها في الإدارة، وإلى قدوات عالية المستوى لإدامة بقاء التجمع في رحاب الحياة الروحية أثناء انغماس الجميع بكثرة الأحداث، وإن لم توجد مثل هذا الكفايات والقدوات قبل بدء التجميع الواسع والعمل مع رجل الشارع فإن الدعوة تكون قد عملت على إيجاد جماهير تنتسب إلى الإسلام، لكنها ذات رغبات ساذجة تنفر من الخطوات الحكيمة وتندفع اندفاعات غير موجهة ولا هادفة، وربما طوعت الإسلام لقبول ما ليس منه وحملت مفاهيم مشوبة بنظريات الكفر وعقائد مختلطة بالبدع.

اتزان التوسع الميداني

إن حماس الدعاة في استدراك التقصير، ومواجهة الأحزاب الأرضية في جميع الميادين والجبهات، قبل الاستعداد الكافي. يؤدي إلى (تشعب العمل)، و(توزع جهود ذوي الكفاية)، فيقل التأثير في كل الميادين، ويكون التعب والإرهاق المستنفد للطاقة.

قولنا هذا ليس دعوة للراحة أو للبرود، ولا لتحريم الاستفادة من فنون العمل التي برع فيها الجاهليون، فإن الأمر يسع الاقتباس ما لم يصادم نصاً شرعياً أو عرفاً أخلاقياً استحسنه المؤمنون، ولكننا ندعو إلى تقدير واقعي لطاقاتنا، وتركيز لجهودنا، وتجزئة الاستدراك بتغطية المجالات حسب أهميتها، فإن الجهود المبكرة للكافر المستعمر في إنشاء الأحزاب أدى إلى أن تسبق الأحزاب الدعوة الإسلامية، ولا يكون الاستدراك بطفرة، بل بسير موزون، ومن ثم كان (اتزان التوسع الميداني) قرين ( اتزان التوسع العددي) في الوقاية من المصارع، وارتباط التأثير بكثافة المسموع والمنظور في الظاهرة التربوية يوجب مراعاة هذه الكثافة المتناسبة مع سعة الميادين التي تتوزع عليها تناسباً عكسياً، والتي تكثف كلما قلت الميادين.

إن الداعية الفقيه لا يستفزه تغلب الملحد القوى إن كان هو ضعيفاً، بل يكظم غيظه، ويصبر، ويبدأ يعمل في انتظام، ويطلب لرجله قبل الخطو موضعها من الأرض الصلبة.

التطوير ينطلق من المعاناة

إن مجابهة الجاهلية في جميع الميادين التي يطرقونها، يقتضي نوعاً من المقدرة والصلابة لدى الدعاة. لكن يشير واقعنا في البلاد التي لا تزال فيها الدعوة ناشئة إلى قلة من يتصف بهذا بالمستوى الذي يستطيع فيه أن يقود ويبتكر ويحرك ويستمر، ومن دون أن يتركز الثقل على عاتق أنفار معدودين من الدعاة.

وهذه حقيقة واقعة، تتطلب التدرج المتناسب مع الطاقة، ومن الخطأ أن تطلب سيرة صلبة واعية لدعاة ضعفاء، ومجرد الإلحاح عليهملا يكفي إن لم يسبق بتربية.

التركيز على مصنع الثقات

من الواجب التركيز على مصنع الثقات الذي يربي الداعاة المسلحين بالإيمان والفقه الحركي، وتكديسهم ليجابهوا الكفر في ميدان إثر ميدان، ولابد من أن ترصد الكفايات لخدمة الجهاز المربي للثقات وتمتينه وتقويته.

إن أي تحول إلى ميدان جديد أو الانغماس في المعترك السياسي، معناه حصول التصادم بين متطلبات الجهاز التربوي ومتطلبات الميادين الجديدة والنشاط السياسي، المتسبب من قلة أصحاب المقدرة والكفاية الذين يديمون تلبية هذه المتطلبات ويديرون الأجهزة المختلفة. ولا يسوغ في التخطيط أن تنفتح الدعوة انفتاحاً واسعاً في العمل قبل تأكدها من وجود ثقات بعدد كاف يديمون هذا الانفتاح، ويحولونه عن مجرد فورة سريعة، ورد فعل لاستفزاز الجاهلين لنا، وإن كان هذا لا يمنع من تدريب بعض الدعاة، وبعدد قليل، بالمشاركة في هذه الميادين عملياً، ليكونوا رواداً مواجهين في أيام الانفتاح.

الكتاب…والبأس الشديد…وإنه الحديد يكمل القرآن، حقاً

قال الله تعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” (الحديد:25).

فسر بن تيمية رحمه الله هذه الآية فقال: “ذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان، وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط، وليعلم الله من ينصره ورسوله، ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي, سيف ينصر، وكفى بربك هاديًا ونصيراً”.

ثم أجمل فقال: “إذا ظهر العلم بالكتاب والسنة، وكان السيف تابعا لذلك: كان أمر الإسلام قائماً”.

ارتقاء المدارج مع السالكين.. لا الطفرة

أوجب الإمام البنا رحمه الله الابتعاد عن التهور، وعلم المتحمسة الملحاحين أن من خصائص الدعوة: “التدرج في الخطوات، وانتظار الزمن، وعدم التسرع بالنتائج، فلكل أجل كتاب”. وكرر عليهم أن الدعاة الفقهاء شعارهم في ذلك: “الزمن جزء من العلاج”.

وهكذا، فإن من تمام واجب التربية الإسلامية الحركية في مراحلتها الحاضرة: غرس الاستعداد النفسي للانتظار الذي تكمل أثناءه صناعة الاختصاصات التي تتولى الانتشار والتوسع الميداني، ثم ما يتطلبه هذا الانتظار الإيجابي من الإقلال المرحلي في ولوج السياسة.

إنه الطريق التربوي: صعب.. طويل.. بطئ.. يسبقنا فيه الأرضيون لوقت.. يسقط فيه بعضنا.. وتفوتنا بعض المغانم فيه. لكنه طريق مأمون، ثابت، مضمون.

وخطواته: “أن تشيع الوعي الإسلامي، وتجمع، وتربي، وتتوسع في اتزان، وتنتشر في تأن، وتنتظر حتى تكتمل الاختصاصات، وترقب ضعف من تسلط زوراً، وترفع يدك إلى الله داعياً أن يرحم المسلمين، حتى يسقط رداؤك عن منكبيك، فإنه إن سقط علوت.

أهمية الوعي الحركي في التعجيل

ولكن واقع الحركة الإسلامية يشير إلى إمكانية اختصار هذه الفترة اختصارًا كبيراً، عن طريق نشر الفقه الحركي وترويجه وإيصاله إلى المخلصين الذين يعوزهم هذا الفقه، فإن الدعاة كثير عددهم في كل مكان، ولكن هذا الفقه الحركي هو الذي ينقصهم، ولو علمناهم إتعاب الأنفس وإرهاقها، والصبر على سهل الليالي وحني الظهور لتدارس هذا الفقه، لوعي منهم جيل كثير من أصحاب الاستعداد يسدون الشاغر، ويحلون محل الضعيف.

Advertisements
  1. 14 يونيو 2010 عند 1:44 م

    بارك الله فيك:
    إذن هنا يحذر شيخنا الراشد من مجاراة الأحزاب الضالة في العمل السياسي والحزبي ، وعدم التوسع في مجالات السياسة والمنافسة للآخرين قبل الأوان .

    “من أخطر الأخطار أن تتوغل الدعوة في تجميع واسع قبل أن تكون هناك صفوة من الدعاة قادرة على أن تتولى تربية كل الذين يتجمعون حولها” .

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: