الرئيسية > كتاب المنطلق > 16- الانتقاء يقي المصارع

16- الانتقاء يقي المصارع

شتان ما بين سلوك العقيدي، أي الذي يسير على عقيدة واضحة، وخطة معلومة، وبين سلوك المندفع الذي يسرع ويستعجل فيتورط. فيسير بلا هدف، أو بخطة لا تلائم الواقع، فتتبدد القوى ويكون الفشل.

صعود الثقات رأس الوقاية

وأول الحلول يتمثل في صعود الثقات من أصحاب الإيمان والعلم والعمل، أصحاب الوعي السياسي، والخبرة بالأساليب التنظيمية، والمهارة في التخطيط المتزن الملائم للواقع الذي نعيشه والمناسب للقوة التي نملكها، صعودهم إلى مراكز التوجيه، وهذا الذي سيؤمن وضوح الأهداف البعيدة في أذهان المخلصين المندفعين من جنود الدعوة الجدد الذين لم تعركهم التجارب، وهو الذي سيؤمن تفسير السياسات المرحلية لهم وإيضاح مسوغاتها، وفي كل هذا مساهمة أكيدة في التأمين ضد الإندفاع المستعجل، وضد الاندفاع غير الهادف.

والداعية حين ينظر الحالة الراهنة للحركات الإسلامية المنبثة في العالم الإسلامي، تتجلى أمامه عظم رعاية الله سبحانه لها في اختيار قادتها، فليس فيهم إلا إمام له قدم راسخة في العلم والصدق والإخلاص، لكن قد تجد لهم نوع تساهل في اختيار الأعوان دفعوا ثمناً غالياً في انشقاقات وفتن، أو في مواقف لينة، وكأن ذلك من تمام العناية الربانية أيضًا، فإنهم من خلال التساهل تعلموا التشدد، ومن معاناة التعامل مع الضعفاء تعلموا الحرص على الانتقاء.

لا نفصل بين الإدارة والتربية

القدوة شرط لمن يشتغل في مراكز الدعوة التي ليس فيها توجيه تربوي مباشر، فهؤلاء جزء مرئي من هذه الدعوة يقلده الجدد والأنصار، ولسان ناطق يسمعه هؤلاء فيتأثرون به. ولذلك لم يفهم السلف فصل وظيفة رجل الدولة الإسلامية عن التعليم والتربية، وكانوا يرون أنه رجل تربية أيضًا. إذن، فإن جميع من يساهم في أعمال الدعوة إنما هو قدوة يحتمل تأثيرها، ويجب أن يجوز شرط القدوة العملية.

دقة مركز القدوة

ومركز القدوة حساس دقيق جداً، ويجب أن لا يوضع فيه إلا من كان مستعداً للأخذ بالعزيمة، والبعد عن الرخص، ومن كان يغلب عليه الجد والزهد والتجرد، ويشتاق إلى التعب والبذل، لأنه إمام لمن حوله يقلدونه، ولابد أن يكون فعله أبلغ في التعبير عن عقيدته ومعاني دعوته من قوله، لأن المنظر أعظم تأثيرًا من القول.

ومن هاهنا، لما هم إمام مصر الليث بن سعد بفعل مفضول ينافي العزيمة قال له إمام المدينة يحيي بن سعيد الأنصاري: “لا تفعل، فإنك إمام منظور إليك”.

والداعية الصادق تستمر هيبته الإيمانية في تعاظم، وتظل في تصاعد ما تصاعدت هيبته لله تعالى، وتعاظمت اهتمامات قلبه بدعوته، حتى يغدو منظره قاطعا لغفلة ناظره.

وقال الشافعي: “من وعظ أخاه بفعله كان هادياً”. ويروي أنه قيل لعيسي عليه السلام: “من أشد الناس فتنة؟ قال: زلة العالم، إذا زل العالم زل بزلته عالم كثير”.

فكم من فقيه يقول للناس: هذا حرام، فلا يزيد الحرام إلا ظهورًا وانكشافًا ما دام لا ينطق إلا نطق الكتب، ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، وقد خلا من القوة التي تجعله روحاً تتعلق الأرواح بها، وتضعه بين الناس في موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آت من الجنة منذ قريب، راجع إليها بعد قريب.

وبإيجاز: “الأسوة وحدها هي علم الحياة”. ودعوتنا هي الحياة. فالأسوة وحدها هي علم الدعوة. وعلم الدعوة كله هو الأسوة الصادقة.

اختبر عليم اللسان…!

في تاريخ الحركات الإسلامية الحديثة كان يحصل فيها انخداع بالخطباء، وأصحاب الشهادات العالية، والمشاهير، وكانوا يدفعون إلى الصدارة من دون طويل تجريب لهم، وتقع الدعوة في ورطة ربطهم باسمها، ولا يلبث المعدن الضعيف أن يفضح نفسه أثناء ترغيب أو ترهيب أو سياسة حركية تقتضي فقها لفهمها، فيكون النكوص.

وللداعية في ذلك سلف، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما خلف الأحنف بن قيس رضي الله عنه –وكان الأحنف متكلما لبقاً داهية: أبقاه عمر معه في المدينة سنة يراقبه، ثم قال له: “يا أحنف، قد بلوتك وخبرتك فلم أر إلا خيراً، ورأيت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، فإنا كنا نتحدث: إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم”. وكتب عمر إلى أبو موسى الأشعري: أما بعد: فأدن الأحنف بن قيس، وشاوره، وأسمع منه.

كم يحيط بالدعوة في العالم الإسلامي اليوم من رجال يجب على قادة الدعاة امتحانهم، وكم هي حاجة الدعاة إلى مثل علم عمر. كم من المتكلمين بالإسلام ترى الدعاية ترفعه، فإذا عاملته وجدته مصلحيا جاف القلب والروح.

يقول الحسن البصري: “اعتبروا الناس بأعمالهم ودعوا قولهم، فإن الله لم يدع قولاً إلا جعل عليه دليلاً من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا سمعت قولاً حسنا فَرُويداً بصاحبه، فإن وافق قوله عمله فنعم، ونعمة عين، فآخه، وأحببه، وأودده، وإن خالف قولاً وعملاً فماذا يخفي عليك منه؟ إياك وإياه، لا يخدعنك”.

إنها الوصية القديمة، ولكن القلوب تغفل، وشهوة الوصول السريع، أو شهوة التكاثر بالأنصار، تلهي، وتدعو إلى التجاوز عن العلم الموروث.

البدعة ضعف أيضاً

يدعوا أدعياء وحدة الأمة في هذا العصر إلى التجاوز عن معاني البدعة، وسري هذا الوهم إلى بعض الدعاة، واسقطوا أمر البدعة كعامل من عوامل التمييز، فوقعوا في الخطأ.

قال الفضيل بن عياض: “من أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام”. وقال أيضاً: “من أحب صاحب بدعة:  أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه”.

إن الدعوة للأخذ بيد المذنب والعاصي في تصرفاته السلوكية، إذا كان أصل الإيمان في نفسه، أهون بكثير من التعاون مع المبتدعة حال تمسكهم ببدعهم، والمذنب أقل ضرراً من المبتدع من وجوه، منها: “أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على الناس”.

من فقه الفضيل في العمل

إن حذرالعمل الجماعي الإسلامي من المبتدعة أصبح قاعدة تؤكد نفسها يوماً بعد يوم. وإنها لقاعدة قديمة، عمل بها الفضيل بن عياض، وأوجزها في كلمات رائعة فقال: “لأن آكل عند اليهودي والنصراني أحب إلي من أن آكل عند صاحب بدعة، فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدي بي، وإذا أكلت عند صاحب بدعة: اقتدي بي الناس”. وهذا القول القديم يؤكد على مبدأ التشدد في الانتقاء، صاغة الفضيل في مَثَل من المؤاكلة، تقريباً للفهم.

استر سمعة الإسلام

إن التشدد في الانتقاء هو ستر واجب لسمعة الإسلام اليوم، كما قال الزاهد الوزير العباسي ابن هبيرة الدوري السامرائي لبعض من يأمر بالمعروف: “اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام، وأولى الأمور: ستر العيوب”.

ومن أهم أوصاف الستر الذي يطلبه ابن هبيرة: أن تحرم أعداء الإسلام من فرصة الإشارة إلى مثل هؤلاء الضعفاء، والتشهير بالدعوة من جراء تصديهم لأمورها، وكلما دفعت التقي النقي إلى الظهور دون الضعيف والمصلحي والمبتدع: كنت أكثر صوناً لسمعة الإسلام.

بل ينبغي ما هو أشد من هذا، فإنه من الواجب على الثقة أن يفوت الفرصة على الضعيف إذا جالسه بقصد أن يقال: جالسه الثقة فلان من الدعاة فهو ثقة، وإنه لو لم يكن ثقة لما جالسه.

ومن الستر أيضاً الانتقاء والتخير للأذكياء الشجعان، ومنع الجبناء وضعاف الشخصية وقليلي الذكاء من دخول التنظيم، توفيراً للجهود التربوية، وإسراعاً في تحقيق الغايات، مع التعويض بتعاون معهم خارج عن الالتزامات الدقيقة.

وهذا المنع إنما هو باب من التقوى في أمر الدعوة توجبه المصلحة، وتؤكده التجارب، ولهؤلاء الضعاف إسلامهم، ولا نبخل عليهم بحب ونصيحة، ولكن أمر الدعوة شديد لا يصلح له إلا الأشداء الأذكياء، فمنعنا تقوى وانتقاؤنا عزم.

فبعض المنع، وسد الأبواب بوجه الضعفاء، إنما هو حزم وقوة تحركهما التقوى، من دون غلو في اتهام الناس، أو سوء ظن، أو شطط في التعامل.

أنت يوسف هذه الأحلام

إن تجمعاً لا ينتقي أعضاءه قد ينهار، لا بأول عاصفة يتعرض لها، بل بأول نسمة خفيفة تفجؤه. وهذا تعبير له تعبير، كما يقول الإمام البنا رحمه الله: “وأنت يوسف هذا الأحلام، فإذا راقك ما نحن عليه فيدك مع أيدينا لنعمل سويا في هذا السبيل، والله ولي توفيقنا وتوفيقك”.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: