الرئيسية > كتاب المنطلق > 17-تركيز لا تكاثر

17-تركيز لا تكاثر

من الرغبات الأصيلة في كل إنسان حب الثراء في كل شيئ، مما أشار إليه القرآن في قوله: “أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ”، فالإنسان يحب الثراء الكمي العددي، في المال، والعلوم، والبنين، والأنصار، في كل شيء. وهي نزعة أو غريزة لا يمكن السيطرة عليها إلا بالتربية العميقة. وخطورة إهمالها تتأتي من أن إشباع الغريزة يؤدي إلى حصول (النشوة) في الإنسان. وتصاحب تلك النشوة اندفاعات غير مدروسة، يشترك فيها الجميع، القادة وتلاميذهم، وذلك لأن الإحساس بالثراء يولد الاطمئنان وإيحاءات الضمان.

معارك النفس

إن هذا التقرير يؤكد ما قلناه من صعوبة الحركة التي تخوضها الدعوة، فإن ميدان المعركة هو النفس الإنسانية بكل تعقيداتها ومتناقضاتها. أنت لا تتعامل مع أحجار صلدة، ولا مع أصحاب طهر ملائكي.

أنت تعيش وتتعامل مع نفس إنسانية، فيها الغرائز، غرائز حب البقاء، وحب التكاثر والثراء، وإشباع الشهوات الجنسية، وفيها النزعات: نزعات الثأر، والحذر، والدفاع عن عقيدتها، وحب شيوعها.

والمجتمع الذي أمامك هو مجموع هذه الغرائز والنزعات، فإن لم تعرف المداخل التي تدخل منها إلى هذا المجموع من الغرائز والنزعات، فإن الفشل يصيبك حتماً، وإذا غالطت نفسك وتجاهلت هذه الغرائز والنزعات فلن يضير وجودها شيء، وأنت تضار.

إن النفس الإنسانية هي ميدان كل هذه الانقلابات الاجتماعية والسياسية الكثيرة المتواصلة التي يحدثنا عنها التاريخ القديم والحديث. اندفاع وراء إشباع البطون، أو إشباع الشهوة الجنسية أو طلب الترف، أو إشاعة عقدية أنت اعتدقتها، وما شابه ذلك من تلك الغرائز.

والتربية هي المقدرة على توجيه الآخرين نحو السيطرة على تلك الغرائز وتوجيهها.

ألهاكم التكاثر بالأمس، فاتزنوا

وإذن، فإن معركتنا معركة تربوية، أي أنها تقوى وتشتد كلما تعمقت التربية، وأتقن المربي عمله، وتخبوا جذوتها كلما فترت التربية، وكانت سطحية. أي أن الجهود التربوية لعدد محدود من القادة المربين إذا تركزت على التلاميذ فإنها تكون أعمق تأثيرًا فيهم كلما قل عددهم، بتناسب طردي، وتفتر ويقل تأثيرها كلما زاد عددهم.

وإذن، فإن من صالح معركتنا أن لا يندفع الصنف القيادي المتولي لعملية التربية في تجميع عدد من التلاميذ أكبر مما تكفي له جهودهم التربوية، وهذا هو الحل الثاني للوقاية من مصارع العفوية يمليه تحليل الظاهرة التربوية.

ولقد شهد تاريخ الحركة الإسلامية بالأمس القريب تكاثرًا بالعدد على حساب النوعية أرهق وألهى، وأجبر دعاة اليوم على الإتعاظ، وما اتزان التوسع إلا وصية الغد.

وكانت هذه هي الوصية القديمة للإمام البنا في المؤتمر الخامس يقول فيها: “إن كثيرين يستطيعون أن يقولوا، ولكن قليلين من هؤلاء يثبتون عند العمل، وكثير من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا، ولكن قليلاً منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاق، والعمل العنيف، وهؤلاء المجاهدون، وهم الصفوة القلائل من الأنصار، قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله، وفي قصة طالوت بيان لما أقول. فاعدوا أنفسكم، وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة، والاختيار الدقيق، وامتحنوها بالعمل، القوى البغيض لديها، الشاق عليها، وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها”.

من ناحية أخرى فإن بقاء بعض الفسق – بمعناه الشرعي- عالقاً بالأشخاص الذين تجمعهم، لعجز كفاياتنا وطاقاتنا التربوية التوجيهية عن إزالته عنهم وتحويلهم عنه لكثرة عددهم، سوف يؤدي إلى احتمال سريان عدواه إلى العناصر النظيفة، لما في العيش الجماعي من المشاهدة التي تؤدي إلى التقليد.

فكما أن التوسع السريع يستهلك الطاقة الحاضرة، فإنه يضعف الناتج القديم.

دور التجمع في التربية التكميلية

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر، وعجز الثقة”، والداعية الحر، المتفاعل مع التطورات والحاجات اليومية للحركة الإسلامية، ويسارع ليتخذ من الإمكانيات التربوية للعمل الجماعي، ما يرضي به ظن أبي حفص الفاروق، فيعكف على توعية الأمين العاجز الساذج، وترقيق قلب ذي الجلادة الشغول المتهاون بأمر بعض الأعمال الإيمانية، ليزداد –بهذا السد للنقص- عدد الثقات الذين يجمعون بين الوعي والجلادة.

وهذا العنصر القوى الأمين هو خير من ينهض بأعباء الدعوة، ولا بد من تكميل صفة الجهاد في المؤمن، وتعميق إيمان المجاهد، كما قال الله تعالى: “وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَـٰئِكَ مِنكُمْ”(الأنفال:٧٥).

قال ابن تيمية: “عقد الله سبحانه الموالاة بين المهاجرين والأنصار، وبين من آمن من بعدهم وهاجر إلى يوم القيامة. والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه، والجهاد باق إلى يوم القيامة. فكل شخص يمكن أن يقوم به هذان الوصفان، إذ كان كثير من النفوس اللينة يميل إلى هجر السيئات دون الجهاد. والنفوس القوية، قد تميل إلى الجهاد دون هجر السيئات. وإنما عقد الله الموالاة لمن جمع بين الوصفين، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به إيماناً صادقا”.

ليس من الجهد ما يهدر، وإنما النجاح قد يتأخر

وتضيق الأرض بمتحمسة الدعاة حين نلح في بيان اتزان التوسع في وقت طال فيه المسير، ويرون أن هناك ثمة فشلاً يصيب الدعوة إن تخلت عن سباق العدد. ولا ننكر أن أخطاء الماضي قد حرمت الدعوة في أماكن متعددة من العالم الإسلامي من فرص توسع.

ولكن الخطأ لا يستدرك بمثله، وتقييم فشل الدعوة ونجاحها في حقبة معينة لا يعتمد على إحصاء من استطاعت نقلهم إلى صفوفها، ذلك أن الدعوة طالما كانت سبباً في هداية آلاف من الشباب وعصمتم من الفجور والزيع وإن لم يدخلوا صفوفها، لأسباب مختلفة، وهذا في ميزان الإسلام عظيم.

إذن فإننا يجب أن لا ننظر بمنظار قاتم يولد اليأس في نفوس العاملين، فإن الدعوة لم تفشل، وينتظر من عمل فيها أجر مدخر كبير إن شاء الله، مثلما ينتظرهم جني ثمار كثيرة زرعوا بذورها بالأمس.

إن أناسًا كثيرين، بتأثير عمل الدعاة الماضي والحاضر، تحتدم في نفوسهم معاني الإيمان والجاهلية، هم الآن في صراع نفسي داخلي عنيف غير منظور، أيؤمنون ويقرون بما يقول دعاة الإسلام أم يبقون على ما هم عليه؟. وهؤلاء مصيرهم إلى الإيمان حتماً حين يتضح الحق أمامهم اتضاحاً كافياً، في حادثة تهزهم هزاً، وتخضهم خضاً، وينخرق حجاب الران عن القلب، فيصل إليه النور، تماما كالإسلام المفاجئ المأثور عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، كعمر حين دنا من الصفا، فسمع أخته تتلو القرآن، فصفا، أو حمزة حين رجع من الصيد، فسمع كلام المؤامرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآمن وكسر القيد.

وحرصنا اليوم على عمق التربية، واقتصارنا على الصفوة، واتزان التوسع، فللوفاء بحاجة جحافل أهل الاحتدام، وإنهم لفي سير إلينا، وعما قريب يكون الوصول، والحادثة الهازة الخاضة خبيئة عند الله، يرحم الله بها الصابرين، ومن لا يؤمن بمثلها فهو بحاجة إلى نظر في السيرة والتاريخ من جديد…

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: