الرئيسية > العوائق > هذه الزهرة الحمراء

هذه الزهرة الحمراء

إن طريقاً جميلاً فسيحا يغريك بالتوغل، تتفرع عنه دروب ضيقة، وانعطافات حادة، لن تدعك شرطة السير والمرور تسير فيه بسيارتك دون علامات تحذير حمراء، وإشارات للأخطار، فترسم لك خطا عمودياً وسط مثلث يطلب منك الانتباه، وخطاً أفقياً أبيض وسط دائرة حمراء يمنعك الدخول، وسهماً منكسراً جنب سهم مستقيم مشطوباً بخط أحمر يمنعك تجاوز من يسير أمامك، وسبقه بسيارتك. فما من سائر يلتزم حدود هذه اللافتات، إلا ويصل مراده وغايته آمنًا، ساكن القلب، في لذة غامرة.

وطريق العمل الإسلامي الحركي واسع لاحب، ولكن شأنه مشابه، إذ أوجدت الاجتهادات الشاذة والأهواء في جوانبه وخلاله دروبا ضيقة، وانعطافات مهلكة، وعوائق معرقلة، أبت الغيرة عليك غير إنارته لك بأنوار ساطعة لامعة، في صف مستقيم، تكشف لك دربك إذا حل ظلام الفتن، وغير التصدي لتحذيرك من الهاوية بإشارة حمراء، ليسلم “منطلقك”.

لكن الروابط بيننا روابط قلبية، ومشاعرنا رقيقة، ومعاني الوصال معك متبخترة مياسة، بالغة اللطف، فأبت إشارتنا أن تتمثل خطاً وسهماً، بل نبتت زهرة حمراء في أرض قلبي، تعكس أوراقها ومضات صفاء نفوس سالف المؤمنين، وخفة روح الشعراء، تنبهك إلى أخطار الطريق.

فهذى زهرة نبتت بتربي                        بدت في حمرة من ذوب قلب

تقبلها، بهذا القلب رفقا                         فلي قلب، وهذا القلب حسبي

نبتت في قلب إقبال من قبل، وأودعها هديته الحجازية، فما أدري بعد: أهذه الحمرة القانية في زهرتي هي حمرة خجل، من واقع كثير من الدعاة انتسب إلى رهطهم، ألهاهم انتصارهم لنفوسهم عن الموازين الشرعية في الخلاف، فهم في حيصة اضطراب، تفوتهم معها الفرص، والنصر منهم قريب، ولو سكنوا، لتناوشوه؟

أم هي حمرة الدماء النازفة سقت زهرتي، من قلب جرحته مصائب المسلمين، وفتن هؤلاء الدعاة، في وقت يلزمنا فيه الكثير من الجد، ليناسب ضخامة الحاجة؟

إلا أنه نزف مؤلم من جرح آذاني، لم أستطع معه كبت الأنين، فخالطت لغتي الرقيقة ألفاظ عتاب شديد وتأنيب وتقريع، عسى أن تنكسر لأنيني قلوب المختلفين، فتعاف لغطها اللاهب، وتسكن إلى إفياء التآخي الباردة.

بل هي تنهدات وعبرات، تابعت بها كمال عبد الرحيم رشيد، في شدوه مع الغرباء، يوم:

آذاه جرح أوجعه، فبكي وأبكي من معه

جرح قديم راعف، أحيا القصيد ورجعه

فكان هذا الإحياء لقصيد فقهاء الدعوة، وكان هذا الترجيع، الذي لا يملك معه صاحب القلب الصادق إلا المشاركة في البكاء.

غير  أنه بكاء له نسب مع بكاء الحسرة واليأس، فإن من العار أن نبكي هذا البكاء الممنوع شرعاً، كما أن من الظلم للجيل الجديد من ناشئة الدعوة أن نبكيهم ونحن نراهم يفتحون تباعاً أبواب الآمال في همة عالية وتصميم على الاستدراك، إنما هو بكاء مفروض في الفطرة على كل نفس، عند كل وخزة مؤلمة، يخالطه بكاء حياء بين يدي رب رقيب سبحانه، يحب أن يرى مآقي عبده تترقرق فيها دموع الخشية بعد الأخطاء.

فانزل أخي، واسق زهرتي، فإن أمامك مزالق وعوائق، وهي منتصبة لك، تداعب أوراق الحمراء نسمات الإيمان، تنبهك إلى أدب السير في… هذا الطريق.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: