الرئيسية > العوائق > 1- زُمرة القلب الواحد

1- زُمرة القلب الواحد

الطاعة الواعية، والثبات في الصفوف، والجهاد المستبصر، عهود لا ينفك بعضها عن بعض، يلتزم بها الدعاة. وكما أن الإيمان بالجنة يدفع إلى سباق في الجهاد، فإنه أيضاً يدفع إلى سباق آخر في الطاعة والحب الأخوي والصفاء القلبي، بين أفراد الجماعة المسلمة، كل يحرص على أن يكون ضمن المقدمة السابقة، والزمرة الأولى التي تدخل الجنة، بما كان لهم من الوحدة، وأنهم كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد”.

إنها طاعة إسلامية مميزة، ليست ككل طاعة، يعتبرها الدعاة ركناً في إيمانهم، لا كمال له بدونها، ويَعتَوِرُهُ النقص بفقدانها.


فتور وأخلاط

وانتساب هذه الطاعة إلى الإيمان، يعرضها لما يتعرض له الإيمان من الزيادة والنقص. فإن الإيمان يزيد وينقص، فأصبحت الطاعة ككل عمل إيماني، يعلو فيصل الأوج والذروة اعتقاداً وممارسة، وينحدر متضائلا تارة أخرى، والفائز من لا يغالي عند التعالي، ولا يسرف عند الهبوط، بأن يلزم هدى السنة النبوية الشريفة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من أن: “لكل عمل شره، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى”.

والشرة: هي بلوغ أقصى الجد والاجتهاد والحرص على الاتقان.

والفترة: هي الفتور، أي التراخي، من بعد الجد، والجنوح إلى الكسل والسكون وإيثار الدعة والراحة.

والطاعة من هذا الكل، لها شرة وفترة، وتتضح صورها للمؤمن أو تغبش، من هنا كان فحص القلب واجباً، ليعرف المؤمن درجته من الزيادة والنقصان، فيحمد ربه أو يستدرك. ومن هنا كان نداء الجنيد رحمه الله أن: “انظر ماذا خالط قلبك؟” فسماها أخلاطاً، أي أنها شوائب، تعكر الصفاء، و توهم بالاطمئنان في غير موضع الرجاء.

أخلاط مردية، تغر وتخدع، تعطيك الصورة، وتمنعك الحقيقة، وتطرحك أرضا من بعد شرة، وتسرق منك هوية الانتساب إلى زمرة القلب. فتعرف عليها معنا، في جولة فقهية، نكفك بالعلم شر الجهل.


وداد وانتماء

يقول الإمام الشافعي: “الحر من راعى وداد لحظة، أو انتمى لمن أفاده لفظة”. وهذه الدعوة علمتك دهراً معنى الوداد، وأفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة، فإن كنت حراً، راعيت ودادها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تربص بها، وإن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت.

وما ثبت داعية على الطريق، وازداد بذلا وإيثاراً، إلا لاكتمال معنى الحرية والوفاء فيه، ومراعاته الوداد، وما أرشد إليه الشافعي من الانتماء. أنه تأديب شامل يجبر الحر على دوام الانتماء إلى الدعاة الذين ربوه، وما هي لفظة عابرة.

وقد حفزك القرآن إلى أن تقيس توقير المؤدب المربي على توقير المسلم للرسول صلى الله عليه وسلم لما قال الله تعالى: “لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا”.

فلابد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه، وهي لفتة ضرورية. فلابد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة. وفرق بين أن يكون هو متواضعاً هيناً ليناً، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير. وللرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأكمل، ولكنها الموعظة تستلزم القياس.


الإمارة الناصحة سباقة

فالقيادة يجب أن تكون سابقة لمجموع الدعاة في طرحها للاجتهاد الذي يقتضيه تطور الأوضاع، وفي تنسيقها لدروس التجربة، فإن من لم تسعفه بفقه واضح سيدور دوماً مع الخطأ، ويراوح في مكان محصور، وليس لك من سبيل لوم، وإلا أرهقته من أمره عسراً. والقيادة من بعد يجب أن تكون سابقة في توفير مناخ العمل للجميع وفقا لتطور كفاياتهم، ونمو آمالهم، وتوسع آفاقهم، وإلا فإن من لم تصرف طاقته في دروب الخير المستقيمة سيبددها في متاهات الشر، أو يجمعها ليعصف بك. وكل ذلك من كما معاني النصح والجهد الواجبة على كل أمير في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة”.

أنها طاقة هائلة تتمثل في كل جيل من الدعاة، إما أن يجاد استخدامها، وإلا ضغطت وهدمت، بطغيان وفتن وتهورات.

.

التحريش الغامض

يقول الله تعالى: “إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ”. قال بن تيمية في تفسيرها: فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع، فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم، وألف بينهم، وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض.

ففي الجهاد تصريفاً للطاقة في دروب الخير، وإنما يكون تحريش الشيطان في مجالات الركود، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم”.

لا يقول لهم هذا تحريش، وأنا شيطان، وإنما يلبس لباس الزاهد العابد، ويتكلم بفصاحة الناصح الأمين، حتى إذا خدع وأوهم، وفرق وأبهم، ولي مقهقها وهم يبكون.


لا خير في طاعة هاوية

لا يبني كيان الجماعات والجيوش والدول إلا على التنازل من الأكثرية لقلة ترسم الطريق وتقود، كافرها ومسلمها، في القرون الأولى وفي المستقبل.

يقول القائد الإنجليزي مونتغمري عن شروط انتصار الجيوش في مذكراته: “إنني أدخلت عنصراً مهماً في نظام العمل، وهو أن أوامر القيادة يجب أن لا تناقش من قبل الضباط الصغار، كما لاحظت عادة في كثير من الحالات، لأنه متى كثرت الخطط لابد أن يفشل الجنود، لكونهم غير واثقين من صوابية خطة واحدة”.

فكثرة الإدلاء بالآراء تسبب الخلاف، فالجدال، فتضييع الوقت، فاختلاف القلوب، ففقدان الحماسة، فالوهن والتراجع. عندئذ تكون الطاعة محكومة بالهوى، يطيع المطيعون فيما وافق مذاهبهم وكان الأمر عليهم خفيفاً، ويعصون إن خولفوا وكان الأمر عليهم ثقيلاً.

وإنما أداء الواجب أن تؤديه في المنشط والمكره، وتصدع به فيما تحب و تبغض، وأن تتلقاه عزيمة لا رخصة فيها، وحزماً لا تردد فيه، وجداً لا هوادة لديه، حتى لا يكون للرأي فيه تردد، ولا للهوى فيه خيار. وهو الواجب تلقاه راضياً، وتمضي به مقدماً، و تحتمله صابراً، وهو حلو عندك، وإن أمر، ونافع، وإن بك أضر.

من أجل ذلك كانت التربية على الطاعة من أسس دعوتنا، فأوضح الإمام المرشد أن طريقنا يعتمد علي:

التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها إلى بعض.

والدعوة فيه “خاصة” لا يتصل بها إلا من استعد استعداداً حقيقياً لتحمل أعباء جهاد طويل المدى، كثير التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد: “كمال الطاعة”.

والشعار في هذه المرحلة: دائماً “أمر وطاعة” من غير تردد، ولا مراجعة، ولا شك، ولا حرج.

Advertisements
  1. 22 يونيو 2010 عند 11:22 ص

    جزاك الله خيرا ، أخي أبو احمد المصري ..
    إذن في هذا الباب، يوضح الأستاذ الراشد أهمية كمال الطاعة في الجماعة المسلمة .
    وأنها من أهم صفات تلك الثلة المؤمنة الذين هم أول من يدخلون الجنة ، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : “أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ومجامرهم من الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشيا”. رواه البخاري ومسلم ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: