الرئيسية > العوائق > 2- نحو تربية تستدرك

2- نحو تربية تستدرك

تكمن أزمة الإسلام ومشكلته الحاضرة في حاجته إلى القادة، ولن يصل الداعية المخلص إلى وعي فن القيادة حتى تتعود قدمه المشي في درب الطاعة اللاحب السليك. وهذه الطاعة المطلوبة ليست بدعة نتنادى بها اليوم، ولكنها المذهب القديم الذي أعلنه موسى عليه السلام أثناء حواره مع العبد الصالح:

قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً؟

قال: إنك لن تستطيع مع صبراً؟

فقال موسى: وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً؟

ثم أكد موسى على مبدأ الطاعة فقال: ستجدني إن شاء الله صابراً، ولا أعصى لك أمراً.

فكان فن الطاعة من موسى عليه السلام، طريقه إلى فن القيادة السديد.


لذة تغري القلب فيتورط

ويتساءل البعض عن شباب ناشئة، امتلأت قلوبهم أول مقدمهم الدعوة إيماناً ومحبة وأخوة وحماسة، فلما لبثوا سنوات، بردت حماستهم واختلفت آراؤهم وخرجوا إلى تعصب فرق بينهم. إنه وصف يترجم ظاهرة تتكرر في بلاد شتى، في أوقات متعاقبة.

وسبب ذلك –والله أعلم-، أن القلب الإنساني يشعر بلذة عند تنفيذ ما يعتقده صواباً، فيتطلع إلى تصاعد تلك اللذة سريعاً. فيخرج مدفوعاً بطمعه وعجلته إلى إفراط في تشغيل الجوارح بما يعود باللذة على القلب، فتتعب الجوارح، وينعكس تعبها على القلب في صورة ملل، فيضيق قلبه، فلا يعود فيه محل لحلم، ولا لاحتمال يتركه لغيره في أن يصيب، ولا لمصلحة غيره في أن تأخذ حقها.

إن هذه الظاهرة في عمل القلوب وطبائعها تفسر لنا بعض جوانب ما نرى في عمل الدعوات الإسلامية من جناية الأخطاء التخطيطية والتربوية على أمثال هؤلاء الشباب الدعاة، ولعل البعض يظن أن أمر تصويبها يحتاج إلى معادلات وإحصاءات وخطوط بيان، بينما هو أقرب من ذلك لمن جرب عن كثب، إذ يمكنه أن يتناوش التصويب من خلال معرفة بسيطة بسياسة القلوب، ليست بنائية عنه، ولا هي في مكان بعيد.

إن قرة عين الدعاة برؤية زمرة القلب الواحد، والانغماس فيها، تجر جراً إلى تلمس ما فعله ضعف التربية بالأمس من فتن ولدت ذهولا عن قواعد التعامل الإيماني، وجفل خلالها الأنصار.

ولابد أن نراجع أنفسنا ونستدرك نقصنا، بجولة إيمانية طويلة نصفي فيها عقائدنا ونزيد عبادتنا، ونسمو بأخلاقنا وأذواقنا، ونثبت قلوبنا، ونجرد دعوتنا للآخرين على أساس عقائدي إيماني يزهد بنا معها الطامع والمستعجل، ومتقلب القلب.


ريث يوحي

قال النبي صلى الله عليه وسلم للأشج رضي الله عنه رئيس قبيلة عبد القيس: “إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة”.

فالحلم يعصم الإنسان من الغضب والانتصار للنفس، فيلزم العدل في أحكامه. وأما تأني المتأني يمنح الإنسان فرصة للتأمل والقياس، فيزول الإلتباس.

وإنها فطنة الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأي تكرر الآيات التي تذم المتكبرين، فراح يعلم الأجيال مقاصد القرآن، فقال: “الكبر: بطر الحق، وغمط الناس”.

أي جحد الاحتكام إلى قواعد الشرع، وغمط الناس حقوقهم بعدم تنزيلهم منازلهم، وبتجاهل حسنات المخالفين.


ورثة الأنبياء على درب الأناة

طرق نفر باب الفضيل بن عياض رحمه الله، فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي، والدموع تتقاطر من وجهة ولحيته، وهو يضطرب، فقال لهم: ما بالكم؟ فقالوا له: عظنا يا أبا علي.

فقال: “عليكم بالقرآن. عليكم بالسنة. عليكم بالصلاة. ويحكم!! هذا الزمان ليس بزمان حديث، وإنما هو زمان: احفظ لسانك، وأخف مكانك، وعالج بالليل، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر).

يجب أن تتعود قلوب الدعاة على أن تأخذ ما تعرف أخذ عبادة وسرور، ورجاء ثواب….

وأن تدع ما تنكر، ترك عبادة ونفور وخوف عقاب….


طريقة سلفية في تعليم الوفاء

لما جاء عدى بن حاتم الطائي رضي الله عنه في وفد إلى عمر بن الخطاب. فجعل يدعو رجلاً رجلاً، ويسميهم. فقال عدي: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟. قال عمر: بلي. أسلمت إذ كفروا. وأقبلت إذ أدبروا. ووفيت إذ غدروا. وعرفت إذ أنكروا. فقال عدي: فلا أبالي إذاً.

تلك جوانب شخصية المسلم الحق وهويته. إقبال حين الإدبار. ووفاء حين الغدر. ومعين حين الإنكار.

لا يبالي بعدها أن جهل اسمه الجاهلون أو ذهل عن نسبه الناظرون، طالما أنه شمخ بمنقباته على حضيض من حام حول دنيا وحظوظ، وتسامي بهن محلقاً إلى الأفق الأعلى.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: