الرئيسية > العوائق > 3- التأويل المستدرج

3- التأويل المستدرج

لن يرتقي داعية إلى أوج الوعي إلا إذا اعتبر إبراز خلق الأخوة الإيمانية وإحلال هذا الخلق في التعامل الواقعي بين المسلمين، وتجسيده في صورة جماعة عمل متآخية، يمنح الدعوة حق ادعاء النجاح، ويمنحها مسوغ الوجود حتى ولو لم تصب سرعة التأثير، أو صد عنها جمهور سذج الناس صدوداً.

.

أخوة العمل لله

إنها أخوة العقيدة التي إن تمثلت في فئة قليلة، تورثها بالتعليم إلى خلف يواصل إحياءها. وإنها أخوة العمل التي تتخطى الألوان والأقوام، وتمزج العاملين لله معاً، فترى نسيجاً متآلفاً.

وبإدراك الداعية معنى الإخاء، تكون الطاعة. فإذا تشوشت تلك المعاني، يكون الافتراق. ولقد قالها الشيخ حامد عسكرية رحمه الله في أنفار شوشوا على الإمام رحمه الله، وأشار إليهم أن: “هؤلاء لا خير فيهم، فقد فقدوا إدراكهم لسمو الدعوة، وفقدوا إيمانهم لطاعة القيادة، ومن فقد هذين فلا خير فيه في صفنا”.


بداية الفتنة تأويل

القلب كالعين في إبصارها، وإبصار القلب تابع لقوة الفقه ونور الإيمان ومقدارهما. وكلما كان الأمر المختلف فيه من سياسة الدعوة لا يضبطه نص واضح، ويلزم فيه الرجوع إلى القواعد العامة وقواعد جلب المصالح وسد المفاسد وأبواب الشبهات. كلما كان استنباط الفقه فيه أصعب، والفتوى به تحليلاً وتحريماً، أو استحباباً وكراهة أشد صعوبة، لأن التأويل له مجال في الحكم  آنذاك. ولو نظرنا إلى فقهاء القرون الأولى لوجدنا أنهم ألزموا أنفسهم باحتياطات كثيرة في هذه الأبواب من السياسة الشرعية، ومع ذلك أخطأ بعضهم وأتي بالغريب الذي يأباه جمهور الفقهاء، فكيف بنا نحن في هذا الزمن المتأخر؟

وبسبب انتصار كل صاحب تأويل إلى تأويله، نشأ اليوم فقه غريب يجيز باسم مصلحة الدعوة تجهماً في الوجه، وتهجماً في اللسان، واعتزالاً للعمل، وخروجا عن البيعة، لا يدرون أن ذلك ما هو بالجديد.

.

سواد ينتشر

وللتحذير من تلك الفتنة قال الله تعالى: “وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ”. والوفاء بعهد الله يشمل بيعة المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم، ويشمل كل عهد على معروف يأمر به الله.

ثم ضرب الله مثلاً على من ينقض العهد فقال: “وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ”. فمثل من ينقض العهد مثل امرأة حمقاء ملتاثة ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها، ثم تنقضه مرة أخرى قطعا منكوثة ومحلولة.

ويبين كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أن نقض العهد إنما هو مسألة استعداد في بعض القلوب لقبول الافتتان، فمن الناس من جعل الله فيه فطرة صالحة تنكر الفتن، ومنهم من يأبى بعض الهداية فيضله الله. كما ورد في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تعرض الفتن على القلوب كالحصير، عوداً عوداً، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبيين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْباداً، كالكوز مُجَخيَّاً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه”.

وربما يملك القلب الاستعداد للفتنة، لكن وقت الرخاء والعافية لا يفضحه ويتستر عليه،  فإذا اكتنفته الشبهات، وهيجته المهيجات، انفضح وانكشف.

.

الدعوة محفوظة

قال عبدالقادر عودة رحمه الله: “إنها دعوة الله وليست دعوة أشخاص، وإن الله علّم المسلمين أن الدعوة ترتبط به ولا ترتبط بالدعاة إليها، وأن حظ الأشخاص منها أن من عمل لها أكرمه الله بعمله، ومن ترك العمل لها فقد أبعد الخير عن نفسه، وما يضر الدعوة شيئا”


النسّافات

كان حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: “إياكم والفتن، لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص إليها أحد إلا نسفته، كما ينسف السيل الدمن”. والمقصود بالدمن: الفضلات التي تكون في مجرى السيل، فيجرفها السيل.

ولا ينجو من هذه الفتن إلا السيد، صاحب أخلاق السيادة، الحليم، المحب للتوبة، فإنه قد ينخدع بزخارف يصوغها المُفتَتَن، لكنه سرعان ما يرجع إلى رشده وصوابه، وهو ثالث الثلاثة الذين عددهم حذيفة حين قال: “إن الفتنة وكلت بثلاث، بالحاد النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد: فأما هذان فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد فتبحثه حتى تبلو ما عنده”.

والنحرير هو الحاذق الماهر العاقل المجرِّب، فيغتر بمهارته وعقله، وهذا ليس له رجاء النجاة، والخطيب فيها صاحب سيف أيضاً، كما قال ابن عباس في بعض ما يؤثر عنه: أن سيفه لسانه، فهو مع صاحبه.

إلا السيد، فإن الفتنة هي امتحان له، فإن كانت أخلاق السيادة فيه أكثر ميزها، وإن كانت أقل جرفته، فقد يفيق في أولها، وقد يفيق في وسطها، وقد يفيق وهي على مشارف نهايتها، بمقدار ما فيه من النبل، وبمقدار ما عنده من العلم، فإن الفتنة إذا أقبلت، عرفها كل عالم. وإذا أدبرت، عرفها كل جاهل.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: