الرئيسية > العوائق > 4- سلاسل العيوب

4- سلاسل العيوب

المؤمن الصادق الذي يسلم وجهه لله تعالى، يسعى دائماً لاستكمال عناصر الإيمان كلما علم أن هناك نقصاً يعتريه. فيعقد العزم على استكمال هذا النقص مرات عديدة حتى يصيب مراده. أما من خلط، فلا يستطيع استكمال النقص بسبب تخليطه.

.

الإتمام الصامت

ولذلك كانت وصية السلف أن: التمام التمام. أرسلها أبو بكر رضي الله عنه من وراء الصحراء إلى خالد بعد انتصاراته في العراق، أن: “ليهنك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم: يتم الله لك، ولا يدخلنك عُجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء”. يطلب منه الإتمام الصامت في غير وقوف عن السير. فالوقوف يعني التخلف ورجوع القهقري.

.

تثبيت وتثبيط

الموفق يمضي دائماً قدماً، ملتذاً بتفرده هذا، ثابتاً بتثبيت الله تعالى: “يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ”.

وأما الراجف فيعلن برجفته للشيطان عن ضعفه فيأتيه في صورة الأنيس، يحاوره، ويسارره، حتى يجد فرصة إلقاء كلمة التثبيط.

والقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة، ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا. أما الكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلوناً وأقلهم ثباتاً. وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة.

ولهذا كان دواء الضعيف إن أراد الوقاية من هذه الرجفة أن يكون صادقاً، وهو الدواء الذي عصم به أبو ذر رضي الله عهه نفسه منها لما عرف ما هو عليه من الضعف فقال: “يا رسول الله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك”.

فكف شره ولم يفتتن زمن الفتنة، يعينه صدقه، إذ لم تقل الغبراء ولم تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

.

للعيوب نقاط انطلاق

من شأن العيب أن يتتابع بشكلين مزدوجين: عدوى وتنوع. أما العدوى، فإن الخطأ من شأن البشر، والمخطئ يربأ بنفسه ثانية عن التفرد في الخطأ ويعتاد طلب الأنيس، وينسى طريق التوبة القريب، فيكون داعياً للخطأ، كما قال زهير ابن نعيم: “”يخطئ فيحب أن الناس قد أخطأوا”. فيصبح بالفتنة في كل واد، ينشرها أفقيًا، ويصير راجفا مرجفًا.

أما التتابع أو التنوع، فلأن العيوب مترابطة، بعضها يستلزم البعض، مثل ترابط أخلاق الإيمان. وهو ما قرره الفضيل بن عياض حين قال: “من أراد أن يسلم من الغيبة فليسد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن: سلم من التجسس، ومن سلم من التجسس: سلم من الغيبة”.

ويرى الأستاذ الهضيبي أن أكثر الشرور تبدأ بالغيبة، فيقول: “وليعلم المسلم أنه لا يكون مسلماً حقاً إلا إذا أصبحت عقيدته جزءا لا يتجزأ من أخلاقه وسلوكه، فيكون عادلاً مع الناس جميعاً، ويحذر نوازع الهوى أن تميل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه، فلا يذكر إخوانه بسوء ولا يغتابهم، ولا يلمزهم، فإن أكثر الشرور إنما تنشأ عن مثل ذلك”.

وكما كانت الغيبة وكان الهوى نقاط انطلاق لعيوب كثيرة: يكون الانتصار للنفس نقطة تنطلق منها أيضاً جملة وسائل ملتوية. وفي هذا المعنى يقول الإمام البنا في مذكرات الدعوة والداعية: “ويظهر أن النفس الإنسانية إذا ألح عليها معنى الانتصار ولو بغير الحق لم تعد تفكر فيما عداه وإن ساقتها وسائلها الملتوية إلى الهزيمة المتكررة حتى تصل إلى الهزيمة التامة”.

Advertisements
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: